تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كفى حزنا أن تطعن الخيل بالقنا

وأترك مشدودا علي وثاقيا

إذا قمت عناني الحديد وغلقت

مغاليق من دوني تصم المناديا

وقد كنت ذا أهل كثير وإخوة

فقد تركوني واحدا لا أخا ليا

هلم سلاحي لا أبا لك إنني

أرى الحرب لا تزداد إلا تماديا

ولله عهد لا أخيس بعهده

لئن فرجت ألا أزور الحوانيا

5

سمعت سلمى هذا الشعر فرقت له، ورأت الصدق في قوله فأطلقته، واقتاد فرس سعد وخرج إلى موطن القتال وإذا به أمام الناس يقف بين الصفين ويحمل على العدو حملات صادقة، حتى عجب الناس من أمره، ورأوا الفرس فرس سعد والطاعن لم يشهد الحرب معهم قبل اليوم، حتى إذا انتصف الليل وتحاجز العسكران رجع صاحبنا إلى القصر وأعاد رجليه في القيد!

فلما أصبح الصباح تحدث الناس به وأخبرت سلمى سعدا بما كان منه، فأطلقه وعاهده ألا يحده أبدا إذا شرب.

الآن ظهرت نفس شاعرنا في شرفها ونبلها وقال لسعد : كنت آنف أن أتركها من أجل الحد، فأما إذا بهرجتني فلا والله لا أشربها أبدا. •••

لقد كان مما أخذه عمر عليه قوله:

إذا مت فادفني إلى أصل كرمة

تروي عظامي بعد موتي عروقها

ولا تدفنني بالفلاة فإنني

أخاف إذا ما مت ألا أذوقها

ويشاء قاص من الظرفاء فيروي أنه رأى قبره بنواحي أذربيجان أو جرجان، وقد نبتت عليه ثلاث كروم قد طالت وأثمرت واعترشت، وعلى قبره مكتوب:

هذا قبر أبي محجن الثقفي

أفاض الله عليه سجال رحمته، فقد كان رجلا وكان نبيلا.

| الذوق العام

يظهر لي أن للأمة ذوقا عاما كما أن لها رأيا عاما وعرفا عاما، ولكل دائرة اختصاص لا يتعداها.

فالرأي العام مداره الآراء والأفكار والمعقولات، والعرف العام مداره العادات، أما الذوق العام فمداره الفن والجمال.

وكما أن هناك قدرا مشتركا بين المصريين في لونهم وتقاطيع وجهوهم وملامحهم، حتى لنستطيع في سهولة ويسر أن نميز المصري من الأجنبي؛ وكما أن هناك قدرا مشتركا في الرأي العام الأوربي، فكذلك الشأن في الذوق العام.

يتجلى هذا في كل أنواع الفنون كالطعوم، فلكل أمة أنواع من الطعوم تستلذها وتغرم بها، هي نتيجة ذوقها؛ ومن أجل هذا كان طهي كل أمة يخالف طهي الأمة الأخرى؛ ولا يقتصر هذا على نوع المأكول، بل يتعداه إلى كيفية إعداده، وبذا نستطيع أن نحكم على الأمة بأنها تستجيد كذا من ألوان الطعام وأنواعه، على حين أن الأمة الأخرى لا تستسيغه ولا تتذوقه.

ومثل الطعوم غيرها من الفنون، فالذوق العام المصري يقدر الموسيقى المصرية أكثر مما يقدر الموسيقى الغربية، بل لا يستلذها ولا يرى فيها جمالا، كما أن أكثر الغربيين لا يجد في الموسيقى الشرقية طعما، ولا يقيم لها وزنا.

وكذلك أشكال البناء وما يستجاد منها وما لا يستجاد، وأنواع الملابس وألوانها وما يستجمل منها وما يستهجن: كلها خاضعة للذوق العام في الأمة، ولكل أمة في هذه الشئون ذوقها؛ يميزها من غيرها ويضعها في درجة خاصة من سلم الرقي.

وهذا الذوق العام في كل أمة هو الذي يقوم الأدب ويتذوقه؛ وهو الذي يجعل لكل أمة أدبا خاصا؛ فالأدب المصري مثله مثل الطعوم المصرية، والغناء المصري، والبناء المصري، إنما يتذوقه المصريون بذوقهم العام، ولا يتذوقه الغربيون بذوقهم العام، كما لا يتذوقون طعومنا وغناءنا، فالنوادر المصرية التي تعجب المصري حتى تبعثه على أشد الضحك وأعمقه، قد لا تحمل الأجنبي على التبسم، والقصص و«الحواديت» المصرية التي تسترق لب المصري وتستهويه، قد لا يأبه لها الأوربي ولا يعيرها التفاتا إذا ترجمت له. نعم قد يعجب المصري بآيات من الآداب الغربية، ولكنه لا يتم له ذلك إلا بعد أن يحور ذوقه ويمرنه تمرينا طويلا على تذوق هذا الأدب، كما يمرن المصري ذوقه على استجادة الموسيقى الغربية، فيستجيدها بعد طول المران، ولكن هذا ليس من الذوق العام في شيء.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٦