تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يجيب عن ذلك بأنه «من المرجح ألا يكون ذلك، فقد بلغت الأندلس في عهد المسلمين منزلة رفيعة من الثقافة، ولئن كان المسيحيون يصبحون مسلمين إذا انتصر «عبد الرحمن»، فإن العلم - إذ ذاك - لم يكن يذبل؛ لأنه أزهر في الأندلس المسلمة، وكان العقل الغربي والنبوغ الآري يشق طريقه في مناحي العلم المختلفة، ولكن كان التفكير الغربي يضعفه التأمل الشرقي، وما كان يوجد المفكر الحر، لفقدان التسامح عند المسلمين، وما كان يرقى التصوير ولا الحفر؛ لأن القرآن يعدهما من ضروب الوثنية. وكانت المرأة الغربية تصبح كالمرأة الشرقية. وما كانت تستكشف أمريكا لعدة قرون، وإن استكشفت بالمصادفة أو البحث لكان مصيرها مصير أوروبا».

حرك هذا المقال عقلي، وأثار شجوني، وأطار خيالي.

ماذا كان يكون شأن العالم الآن لو انتصر المسلمون في وقعة «تور»، وتحقق ما توقعه الكاتب من فتح المسلمين أوروبا كلها وتدينها بالدين الإسلامي؟ وماذا كان يكون موقف المدنية الحديثة الآن؟

الحكم على ذلك في منتهى الصعوبة؛ لأن أحداث التاريخ وتقلبات الأوضاع الاجتماعية تخضع لآلاف الآلاف من المؤثرات، وبعض هذه المؤثرات في غاية الخفاء وغاية التعقيد. هذا إذا كانت الأحداث بين أيدينا وتحت سمعنا وبصرنا، فكيف إذا فرضناها فرضا وتخيلناها خيالا؟ اعتبر ذلك بما هو حادث اليوم في العالم، فكل المقدمات ماثلة أمامنا، ومع هذا يختلف رجال التاريخ والسياسية والاقتصاد والاجتماع العالمون ببواطن الأمور؛ هل تؤذن هذه المقدمات بحرب شعواء عاجلة تأكل الأخضر واليابس، أو لا تؤذن بحرب، وستنفرج الأزمات ويسود السلام على الأقل عهدا طويلا؟ إن كان ذلك والشواهد ماثلة والأدلة حاضرة، فكيف بشئون عالم سحيق في القدم، غير معروفة جميع ظروفه وأحواله، نفرض فيها النتائج كما نفرض المقدمات، ونتخيل ما يحدث قبل أن يحدث، ومع هذا فنحاول الإجابة، ولنقس ما لم يكن على ما كان. •••

لقد جرى المسلمون والمسيحيون شوطا في السباق، والتقيا في أثنار الطريق، وإن لم يلتقيا في البدء؛ فقد بدأ المسيحيون شوطهم قبل المسلمين بأكثر من ستة قرون حتى جاء الإسلام، فبدأ سيره وجرى طلقا يفتح ويدعو ويؤسس مدنية ويعدل مدنية حتى حاذى النصرانية وجرى بجانبها، فماذا كان بعد ثلاثة قرون من الإسلام وتسعة من النصرانية؟ رأينا حضارة بغداد في عهد العباسيين، وحضارة القاهرة في عهد الفاطميين، وحضارة قرطبة في عهد الأمويين، لا يدانيها في ذلك حضارة في العالم، سواء في العلم والفن، وآلات القتال، ومظاهر اللهو والترف، ومظاهر الجد والعمل.

لقد ذابت مدنية اليونان ومدنية الرومان في أوروبا، ولم يكن لهما نظير في الشرق، ومع ذلك لم يسبق الغرب الوارث الشرق المبتكر.

وظل الغرب يتتلمذ للشرق قرونا طويلة، يجلس رجاله إلى ابن رشد يأخذون فلسفته، وينقلون إلى لغاتهم كتبه، ويدرسون كتب ابن سينا في الطب في جامعاتهم، ويأخذون من رياضي الشرق وفلكييهم إلى عهد قريب، ويطيرون في مدنيتهم الحديثة من على أكتاف الشرقيين؛ فماذا كان يمنع المسلمين أن يصلوا إلى مدنية مثل المدنية الحديثة أو خير منها إذا استمروا في طريقهم ولم تعقهم عوائق خارجة عن دينهم، وخارجة عن عقليتهم؟

لم يمنعهم الإسلام أن يطلبوا العلم في شتى ألوانه، ولا أن يعكفوا على فلسفة أرسطو وأفلاطون وغيرهما، ولا على رياضة أقليدس وفيثاغورس وأضرابهما. ولم تستعبدهم هذه الأسماء الرنانة كما استعبدت عقول أوروبا في القرون الوسطى، فنقدوا أرسطو وأفلاطون وأقليدس وبطليموس، وعدلوا بعض نظرياتهم، وأبطلوا بعضها، وغزا عقلهم نواحي العلم، كما غزا جيشهم نواحي العالم، وكان كثير من المسلمين إذا قالوا: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله» فعقولهم بعد حرة في كل تفكير، طليقة من كل قيد.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٤٨