تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن فجر الحضارة كان هناك مظهران متناقضان في العالم: مظهر كره يدعو إلى الحرب بين الأمم، ومظهر حب كمين يدعو إلى التعاون في الفنون والعلوم والنظم الاجتماعية. كانت المدن اليونانية تتحارب بالسلاح، وتتعاون في الفن والفلسفة؛ وكذلك كان العرب والفرس، والعرب والروم، والعرب والأسبان؛ وكذلك الشأن الآن بين الأمم الأوروبية بعضها وبعض، وبين أمم الشرق وأمم الغرب؛ فالتعاون بين هذه الأمم كلها - قديما وحديثا - قدم العلوم والفنون والفلسفة، والحروب أخرتها. ولو ظل التعاون على أكمله ولم يعقه عائق من الحرب لبلغت العلوم والفنون أضعاف ما بلغت الآن؛ فبالتعاون حييت فلسفة اليونان، وبالحروب ماتت، ثم بالتعاون بعثت؛ وهكذا فلسفة الإسلام وفنون الإسلام. وما كان من خير مشترك في هذا العالم كنظم التعليم، والنظم الاجتماعية، والسكك الحديدية والبرية ونحو ذلك، فضرب من ضروب التعاون؛ وما كان من خراب وبؤس للشعوب وخوف على الأنفس والأموال، فمنشؤه الحرب التي دعا إليها الكره.

وبعد فما أحوج الناس جميعا إلى الاستزادة من الحب، وما أحوج الشرق خاصة إلى الاستزادة من الحب فهو دواؤهم الوحيد الذي يتغلبون به على أمراضهم.

إن الحب إذا فشا في أمة أتت بالأعاجيب، وفعل فيها ما لا يفعل المال والعلم والفلسفة.

هو هدى بعد ضلال، وغنى بعد فقر، ونور بعد ظلام، هو معجزة المعجزات، فيبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله.

| لو انتصر المسلمون!

تحت هذا العنوان قرأت مقالا في مجلة إنجليزية

1 ، كتبه كاتبه بمناسبة انتصار «فرنكو» في أسبانيا بمعاونة المراكشيين المسلمين، فأوحت إليه هذه الحادثة أن يرجع بذهنه إلى ما وقع بين المسلمين والمسيحيين في موقعة «تور» في فرنسا سنة 732م فقال: إن أوروبا كلها كانت تسقط في يد المسلمين لو انتصروا في هذه الموقعة، وما كانت إنجلترا تستطيع صدهم أيضا؛ لأنها لم تكن في حالة حربية تسمح لها بصد قوى العرب، والتاريخ لم يحفظ لنا كثيرا من الأمثلة التي تم فيها من الانقلاب ما تم على يد المسلمين، فإن عددا قليلا من العرب المملوئين حماسة دينية، متأثرين بنبيهم «محمد» استطاعوا بقوة إيمانهم، وبالسيف والنار، أن يسيطروا في مدى قرنين على جزء ضخم من العالم يمتد من شاطئ المحيط الأطلنطي إلى نهر السند، وكان غرضهم الأعظم أن يحولوا العالم إلى دينهم بالدعوة أو بالقوة - عبروا مضيق جبل طارق، وتدفقوا كالسيل الجارف إلى إسبانيا وجنوبي فرنسا.

وفي سنة 731م كان عبد الرحمن يسيطر على كل الجانب الغربي الجنوبي لأوروبا، ويهدد سائر فرنسا وما وراءها، ويقود جيشه في ظفر يتلوه ظفر، هازما ما يقابله من جيوش في سهولة ويسر، فاتحا ما يلاقيه من المدن، محولا ما يجده من كنائس، لا يقف أمامه شيء، ناشرا تعاليم «محمد»، حتى وصل إلى أبواب «تور» على بعد مئة وثلاثين ميلا فقط من باريس.

ثم لقيه «شارل مارتل» بجيش قليل من محاربين جرمانيين جبابرة، فتقاتل الجيشان لا ساعة من نهار ولا نهارا كاملا، ولكن ستة أيام قتالا شديدا مستعرا، كان يبدو فيها عبد الرحمن منتصرا، ولكن في اليوم السابع تحولت دفة الحرب في صالح «شارل» وقتل عبد الرحمن وهزم جيشه، وكر راجعا إلى الأندلس.

فلو أن «عبد الرحمن» انتصر، كما كانت تدل عليه كل الظواهر، ولم يوفق «شارل مارتل» إلى صده، لتم فتح العرب فرنسا وأوغلوا بعدها في ألمانيا وإيطاليا، وما كان يقف في سبيلهم شيء ولا إنجلترا وإيرلندا.

وماذا - إذا - لو تم ذلك؟

لو تم ذلك لكانت أوروبا اليوم كلها مسلمة، تدوي أصوات المؤذنين فوق مآذنها، وتحرم الخمر والميسر والخنزير، وتسودها كل شعائر الإسلام.

ثم يتساءل الكاتب في مكر ودهاء: «هل كانت أوروبا الآن تصبح متأخرة في مدنيتها وتقف فيها موقف العالم العربي الآن؟»

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٤٧