وهكذا تبحث عن كل مناحي الحياة، وكل مرافق العيش، فترى العجلة تسير ولكن ببطء، وتتحرك ولكن بصخب وضوضاء؛ لأنها عدمت بلسم الحب.
إن توفر الحب انعدمت الحرب بين الطبقات؛ لأن الغني يحب الفقير فيرحمه، والفقير يحب الغني فيحترمه، وطبقة الأشراف والنبلاء تؤمن بأنها تعيش في رغد من العيش بفضل يد الفلاح والعامل والصانع، ولولاهم لماتوا جوعا، فتحبهم وتفيض عليهم من خيرها؛ وطبقة الفلاحين والعمال تجازي إحسانا بإحسان وفضلا بفضل؛ وهكذا يسود الجميع حب وعطف ورحمة، ومن غير هذا الحب يكون الموقف موقف انتهاز الفرص، وتربص للإيقاع، وامتلاء للصدور بالحقد والضغينة. •••
إن ما حدث في الأمم من توارث تطالب بحقوق الإنسان، وحروب لتحقيق الإصلاح، ليست إلا مظهرا من مظاهر الحب، وشفقة على الإنسان المعذب، والفقير البائس، والطبقة التي تشقى لحساب الطبقة التي تتقلب في النعيم.
وإن ما وصل إليه العالم من تحقيق العدل بين ذي الجاه وعديم الجاه، وبين الأبيض والأسود، وبين الفقير والغني، ليس إلا بفضل الحب ظهر في شكل قانون.
وهو لم يصل إلى غايته؛ ولم يبلغ كماله إلا لأن كمية الحب في العالم أقل مما يرجوه المصلحون وينشده المثاليون.
وإن استعداد شعوب أوروبا للحرب، وتسابقها في وسائل الفناء دليل على أن الحب في كل شعب لم يتعد دائرة قومه، ولم يخرج عن نطاق القومية ليشمل الجنسية.
وإن تعاون الغرب على ظلم الشرق وافتياته على شعوبه وهضمه لحقوقه، واستغلاله لمصلحته، دليل على أن حبه لا يزال ضيق الأفق، لم يستطع أن يمزق حجبه، ويتغلب على أنانيته وقوميته وجنسيته ليظفر بحب إنسانيته.
إن شئت فقل: إن كمية الحب في العالم أقل مما يلزم، وإنها بذرة صغيرة تحتاج إلى النماء، وإنها في الشرق أقل منها في الغرب.
إن نهضة الشرق للدفاع عن استقلاله مظهر من مظاهر حب القومية في قلبه، وإن تعاون أمم الشرق فيما تشترك فيه من مصالح، دليل على اتساع الحب من قومية إلى شرقية، ولكن ربكته في الحكم وصعوبة سيره في الحياة، والسباب المقذع للمصالح الشخصية، والشكوى الملحة من الطبقات بعضها من بعض، وعدم رعاية مصالح الجمهرة العظمى من الأمة كالفلاحين والعمال والصناع، وتوزيع ميزانيات الدول في مصالح الخاصة أكثر منها في مصالح العامة، دليل على أن الحب في أول عهده، وأنه في أشد الحاجة لمن يرعاه ويربيه وينميه.
لو ساد الحب لاحترمت الآراء، وأومن بحرية الفكر، ونفذت الفكرة لما فيها لا لقائلها ، ولدقق المتهم عند الاتهام ورجع إلى ضميره عند التجريح، ولراعى المصلحة العامة، لا المصلحة الشخصية، ولا المصلحة الحزبية.
ولو ساد الحب لعمم التعليم، وعممت المستشفيات الشعبية، وعممت المتنزهات العامة وحورب البؤس قبل أن يشجع الترف.
مظهر الحب التعاون، ومظهر البغض الحرب. والحرب أثر من آثار الوحشية، والتعاون - في أحسن أشكاله - أرقى ما وصلت إليه الإنسانية.
قد يدعو الحب إلى الحرب، كالأمة تدافع عن نفسها، والشرق يدافع عن استقلاله؛ ولكن لم يبعث عليه في الأصل إلا الكره من الأمم المهاجمة، ولو فشا الحب في العالم واتسع نطاقه حتى شمل الإنسانية بأجمعها لحل التعاون محل الحرب.
ومصيبة العالم الآن وقبل الآن ناشئة من أن نظمه كلها مؤسسة على الحب الضيق، والكره الواسع؛ فالوطنية ليست إلا حبا ضيقا في حدود الإقليم، مغلفا بكره واسع في خارج الحدود. ومن الأسف أن ليس في الإمكان أن تدعو أمة إلى ترك وطنيتها؛ لأنك بذلك تدعوها إلى إلقاء السلاح وسط مسلحين لا يكادون يشعرون بإلقائها سلاحها حتى ينقضوا عليها.
وإنما الأمل الوحيد عند المتفائلين أن تتعلم الأمم جميعا من دروس الحرب أن تتعاون على قلب النظم الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية، ووضعها على أساس جديد هو حب الإنسانية.