تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتحدث رجل إلى آخر: «ألا يأنف الخليفة لابن عمه مما قد شهر به وفضح عشيرته؟» فقال له الآخر: «ويحك! والله يا عم لو رأيت ما يصل إليه بهذه الحماقات لعذرته».

ووقف البيت العباسي في أمره موقفين مختلفين. فأما بعضهم فغضب من ذلك! وشعر بأن هذه الأعمال سبة البيت وفضيحته؛ لذلك أمر الخليفة المستعين إسحاق بن إبراهيم (محافظ بغداد) أن يأخذه ويحبسه! فصاح أبو العبر في الحبس: «لي نصيحة. لي نصيحة!» فأخرج ودعا به إسحاق فقال: هات نصيحتك! قال: على أن تؤمنني؟ قال: نعم. قال أبو العبر: «الكشكية لا تطيب إلا بالكشك»، فضحك الحاضرون، ومنهم إسحاق. وما زال يهذي بمثل هذه النصائح، فقالوا: مجنون. وأخرجوه.

وأما المتوكل فأفسح له صدره واتخذه سخريا له، فكان يرميه بالمنجنيق في الماء ثم يطرح الشبكة فيخرجه كما يخرج السمك، ويضحك من ذلك، ويعطيه ما لا يعطي الشعراء.

وأفلح أبو العبر في الضحك على الناس ونال بالتحامق ما لم ينله بالتعاقل.

فأما هو فقد انتقم لنفسه من الناس، ومن بيت العباس، وقال: لو نفق العقل لعقلت، ولو راج الجد لجددت، ولكن حمق الناس فتحامقت.

وأما غيره فقال: «أنا والله لا أعذره، ولو حاز بحمقه الدنيا بأسرها».

فليحكم القارئ.

| الشرق ينقصه الحب

يخيل إلي أن لو كان للحب مقياس يقاس به كما تقاس به درجة الحرارة، لرأينا به أن درجة الحب في الشرق منخفضة منخفضة، حتى تكاد تبلغ الصفر، وأن درجة البغض - أو على الأقل درجة الحياد - مرتفعة مرتفعة حتى تكاد تبلغ المائة.

ولست أعني حب الرجل للمرأة، ولا المرأة للرجل، ولا حب الأب لابنه ولا الابن لأبيه، فهذا حب غريزي تراه في القطط والكلاب وكل حيوان، كما تراه في الإنسان، ولا فضل للمدنية فيه إلا أنها رقته وهذبته وشكلته أشكالا وألوانا.

وإنما أعني حب الإنسان لقومه؛ فهذا القدر في الشرق أقل جدا من مثيله في الغرب.

لقد لفت نظري إلى هذا المعنى أني زرت إنجلترا مرة، فبعد أيام قليلة أحسست أن كمية الحب في الجو أكثر منها عندنا، وتجلى لي هذا في سؤال الناس بعضهم بعضا قضاء مصالحهم، وفي معاملتهم على اختلاف أنواعها، بل وفي السؤال: أين الطريق؟

كمية من الحب كبيرة لطفت المعاملة، وأطلقت البشر، وملأت الجو سرورا، والمعاملة نعومة، وجعلت عجلة الحياة تمشي سريعا في غير ضوضاء وجلبة.

ونقصان هذه الكمية في الشرق هو أكبر سبب في أكثر ما نرى من متاعب؛ فنقصان كمية الحب هو الذي جعل طبقة الحكام في الشرق يتناحرون تناحر الأعداء، ويلعن بعضهم بعضا، ويجرح بعضهم بعضا، حتى لا يكاد يسلم أحد من رمي بالخيانة والإجرام والسرقة وسوء النية وبيع البلاد للأجانب ونحو ذلك من التهم، حتى لم يبق رأس سليم، وهو الذي جعل الجهود تبذل بين تفكير في خطط الهجوم وخطط الدفاع، وضاعت بين هذا وذاك مصالح الشعب. وفي الغرب نقد عنيف أحيانا، يبلغ درجة الاتهام أحيانا، ولكن تلطفه كمية الحب، فيبدو في أغلب أحيانه كعتاب الأصدقاء؛ ثم لا يمنع الناقد نقده أن يقول لمن ينقده: أحسنت في مواضع إحسانه، كما يقول: أسأت في موضع إساءته. وأجمل من هذا أن تختفي هذه الاتهامات إذا جد الجد، وظهرت مصلحة الشعب في التعاون.

ونقصان كمية الحب هو علة ما يبدو من شكوى أصحاب الأعمال من الموظفين، فليس المرتب الذي يتقاضاه الموظف باعثا كافيا على إحسانه عمله وقضائه مصالح الناس على الوجه الأكمل؛ إنما المرتب يدعوه لأن يحضر في موعد الحضور ويخرج في موعد الخروج، ويؤدي من الأعمال الآلية ما يعفيه من المسئولية. أما روح العمل، والسعي في تحقيق مطالب الناس، والعمل لخيرهم، فإنما يبعث عليها كمية كبيرة من حب الناس لا تزال مفقودة عند أكثر الموظفين.

ونقصان الحب هو الذي ملأ الجو بشكوى الفلاحين من ملاك الأراضي، وملاك الأراضي من الفلاحين، فليس بينهم حب متبادل، ولا عطف مشترك، إنما هي نظرة الناهب لما ينهب والصائد لما يصيد.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٤٥