لقد نيفت على الخمسين وأنا أجرب العقل فلم ينجح. أفلا يكون من الصواب أن أجرب الجنون مرة لعله ينجح؟
إن أردت السعادة فعليك بأحد أمرين: إما أن تعيش عاقلا وسط العقلاء، أو مجنونا بين مجانين. أما أن تعيش عاقلا وسط مجانين، أو مجنونا بين عقلاء. فذلك العذاب. وقد عشت طويلا عاقلا بين مجانين فشقيت؛ فخير أن أجن وأعيش عيشتهم وأضحكهم وأضحك منهم.
فكر «أبو العبر» في ذلك طويلا، ثم خرج من تفكيره إلى أن يكون أضحوكة الناس. إن لقبي أبو العباس، وهو لقب جد، فلأطرحه ولأطأه بقدمي إعلانا بإخفاق الجد في هذا العالم. وهو أيضا لقب يرمز به إلى بيت العباس، وماذا جنيت منه إلا الفقر والبؤس وسوء الحال وخيبة المصير؟ خير لك أن تتلقب لقبا يكون عبرة للناس وعنوانا على أن الجد لم ينجح، وقد ينجح الهزل. فلتتوكل على الله، ولتكن كنيتك من الآن أبا العبر.
خرج «أبو العبر» على الناس بفنون شتى من الأضاحيك، فبدأ يسطع نجمه، وكلما نجح شجعه النجاح على الإمعان في السخف، حتى بلغ في ذلك الغاية وعلا صيته، وتناقل الناس نوادره، ودوى اسمه في العراق وغير العراق، علما على الضحك والسرور. ويكفي أن يذكر الناس اسم أبي العبر ليتهيئوا للضحك، ويكفي أن يذكروا له نادرة حتى يمسكوا أحشاءهم من كثرة الضحك.
لقد كان يألم من أنه لم يبلغ ما بلغ أبو تمام والبحتري وأضرابهما، ففاتهم شهرة وعلاهم صيتا.
وكان أول ما بدأ به أنه طبق نظريته في الشعر، فخصص نفسه للشعر البارد، فكان يعمد إلى القصائد الجدية فيقلبها قصائد هزلية؛ يسمع البحتري يقول:
من أي ثغر تبتسم
وبأي طرف تحكتم
فيقول هو:
في أي سلح ترتطم
وبأي كف تلتطم
وهكذا، والناس يضحكون منه، ويصفقون له، والخلفاء تسمع هذا منه، وتمنحه من الجوائز فوق ما يجيزون الجد.
ثم أخذ يعمد إلى فن آخر طريف وهو فن «المفارقات»، فيتكلم كلاما غريبا لا يفهم، ولكنه يضحك، فكلمة من الشرق بجانب كلمة من الغرب، وكلمة على السفينة وأخرى على التفاحة، وثالثة على المبتدأ والخبر، وهكذا «سمك. لبن. تمر هندي». وقد سئل مرة : كيف تحضر هذه المفارقات الغريبة، وكيف يمكنك جمعها على شذوذها وبعد أوصالها؟ قال: «أبكر فأجلس على الجسر ومعي دواة ودرج، فأكتب كل شيء أسمعه من كلام الذاهب والجائي والملاحين والمكارين، حتى أملأ الدرج من الوجهين، ثم أقطعه عرضا، وألصقه مخالفا، فيجيء منه كلام ليس في الدنيا أحمق منه».
هذا كله في باب المضحكات من الأقوال، ولكنه لم يقتصر عليها، فتفنن أيضا في المضحكات من الأفعال؛ فكان - مثلا - يمشي في الشارع ومعه سلم، أو يحمل في يده سمكة، فإذا سئل: لم يفعل ذلك؟ أمطر سائله بإجابات مخزية تثير الضحك. ويجلس في الشارع وحوله المجان ويلبس في رأسه لباس رجله، وفي رجله لباس رأسه، وحوله ثلاثة نفر يدقون بالهواوين حتى يجتمع الناس، ويشترط على الحاضرين ألا يضحكوا، فمن ضحك فعليه عقوبة، ويأخذ في أحاديثه وأفاعيله، فمن ضحك وكان وضيعا صب على رأسه ماء وحمأة مما بجانبه، وإن كان شريفا رش عليه ماء من قصبة في يده، وحبسه حتى يغرم درهمين.
ورئي مرة وبيده اليسرى قوس وعلى يده اليمنى باشق وعلى رأسه قطعة رئة في حبل مشدود بأنشوطة، وقد ألقى شصا في الماء، وربطه بحزامه. فقيل له: ما تصنع؟ قال: يا أحمق أصطاد بجميع جوارحي، إذا مر بي طائر رميته عن القوس، وإن سقط قريبا مني أرسلت إليه الباشق، والرئة التي على رأسي تجيء الحدأة لتأخذها فتقع في الوهق، وإذا جاء السمك في الشص أحسست به فأخرجته.
وهكذا وهكذا.
فملأ العراق بأضاحيكه، وكان ينتقل من سر من رأى إلى بغداد، ومن بغداد إلى الكوفة، فيتحدث الناس بحضوره ورحيله كما يتحدثون بأمير أو عظيم.
وانهال عليه المال انهيالا حتى لم يكن يدري ما يصنع به، ولامه بعض الشعراء على سلوكه مع فضله وأدبه فقال له: يا أحمق! أتريد أن أكسد أنا وتنفق أنت؟