تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن لم يكن أمراء البيت العباسي كلهم أهل ثروة ورخاء؛ فمنهم الغني الواسع الغنى، ومنهم الفقير وإن لم يبلغ حدا كبيرا من الفقر؛ لأنهم كانوا يرتزقون من رواتب تخصص لهم من بيت المال حسب مشيئة الخليفة، ومن هبات وعطايا توهب لمن شاء الخليفة، فكن حظ «أبي العبر» هذا وأبيه من هبات الخليفة قليلا نادرا.

ولد أبو العبر بعد خمس سنوات من خلافة الرشيد، أعني سنة 175، وأخذ بعد يتعلم ويتأدب، وعاصر - أولا - الرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق وصدرا من خلافة المتوكل.

وهو طوال هذه العصور جاد في حياته. رأى أنه ليس بالغني غنى غيره من الأمراء، ولا هو مقربا من الخلفاء، ورأى أن القرب إليهم أسبابه كثيرة؛ منها القدرة السياسية، ومنها القدرة الأدبية، ومنها غير هذا وذاك؛ فاتجه إلى الأدب يدرسه، والشعر يقرضه، لعله يصل من ذلك إلى منزلة تلفت إليه نظر الخلفاء؛ ليدروا عليه العطاء، ويغرقوه في النعيم، فتأتى له شعر حسن غنى به المغنون كقوله:

أبكي إذا غضبت حتى إذا رضيت

بكيت عند الرضا خوفا من الغضب

فالويل إن رضيت والعول إن غضبت

إن لم يتم الرضا فالقلب في تعب

وكاد يبتسم له الحظ ويكون شاعرا مقبولا، لولا أن رماه القدر بشعراء فحول أمثال أبي تمام والبحتري، فنظر في شعره وشعرهم، وسحره وسحرهم، فرأى أنه لا يستطيع أن يدركهم ولا يبلغ شأوهم.

رأى أن شعرهم جيد وشعره وسط، ولأبي العبر رأي في الشعر طريف، وهو أنه إن لم يكن جيدا كل الجودة فليكن باردا كل البرودة. أما الوسط فإياك وإياه؛ إن الجيد يعجبك بجودته، والبارد يضحكك ببرودته، أما الوسط فثقيل لا يستخرج إعجابا، ولا يستخرج ضحكا؛ وقد عبر أبو العبر عن هذا المعنى بقوله: «إن قدرت أن تقول الشعر جيدا جيدا، وإلا فليكن باردا باردا، وإياك والفاتر فإنه صفع كله».

ولكن أبا العبر لا يستطيع أن يقول كما يقول أبو تمام والبحتري. وكل ما يستطيع أن يقوله هو الشعر الفاتر الذي لا يرتضيه، فماذا يصنع؟ ومما يزيد الأمر إشكالا أنه يريد المال ويريد القرب من الخلفاء، وليس له وسيلة إلا الشعر، والشعر الجيد لا يواتيه، والشعر الوسط لا ينفق، وليس بالسياسي فيحظى عندهم، ولا قدرة له على ذلك، فماذا إذا؟

ليس إلا أن يلتفت إلى نفسه يعلمها القناعة، فالقناعة كنز لا يفنى، وإذا كان عطاء الخليفة ليس له غاية إلا رضى النفس، فالقناعة يمكن أن توصل إلى هذه الغاية نفسها؛ ولذلك أخذ يعطي لنفسه دروسا في القناعة ودروسا في الرضا، أحيانا يحدثها الحديث النفسي، وأحيانا يقول في ذلك شعره المتوسط:

لا أقول: الله يظلمني

كيف أشكو غير متهم

وإذا ما الدهر ضعضعني

لم تجدني كافر النعم

قنعت نفسي بما رزقت

وتناهت في العلا هممي

ليس لي مال سوى كرمي

وبه أمني من العدم

ولكن هذه الدروس لم تنجح، وامتحن فيها فرسب، إن لي بيتا رفيعا هو بيت الخليفة نفسه، وبهذا البيت استحق الخلافة، وفي يده القناطير المقنطرة من الذهب والفضة يبعثرها هنا وهناك، فلماذا أحرم حتى من القليل منها؟ إن كل يوم تطلع فيه الشمس أرى فيه دروسا تفسد على دروس القناعة والزهد. فهذا عالم يجد ويكد ولا يجد ما يسد رمقه، وهذه الخيزران أم الرشيد تبلغ غلتها في العام مائة وستين مليونا من الدراهم. هذا مؤلف ينفق عمره في تأليف كتاب أو كتب، ولا يجازى على ما فعل. وهذه جارية تعجب الرشيد فيأمر يحيى بن خالد البرمكي أن يشتريها له بمائة ألف دينار. هذا سخيف يذكر نادرة تضحك الخليفة فيمنحه المال بالهيل والهيلمان، وهذا ناصح فيبعده ويقصيه، وهذا شاعر يمدحه فيجعله فوق البشر فيمنحه من المال ما يشاء، وهذا الرشيد يرضى عن جاريته «ذات الخال» يوما فيحلف أنها لا تسأله في ذلك اليوم شيئا إلا فعل. فهل هذا عالم معقول؟ إن الجنون أنواع، فنوع منه في البيمارستان، نوع في قصور الخلفاء، ونوع موزع على سائر الناس؛ غير أن الأول يبعث على الرحمة، والثاني يبعث على النقمة، والأخير يبعث على الإشفاق.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٤٣