ثم ذكر فصلا عرض فيه لما وقع في العين من التنكيت والأمثال.
وعرض لنا فصلا بديعا موضوعه اختلاف مواقف الناس أمام العيون؛ فمنهم من كان يعشق عين محبوبته، فسمع تشبيها للعيون بعيون الغزلان، فأكثر من شراء الغزلان وتربيتها وتوليدها، ومنهم من سمع قول ابن الرومي:
وأحسن ما في الوجوه العيون
وأشبه شيء بها النرجس
فكان لذلك يكثر من زرع النرجس في حديقته.
ومن الناس من أردته النظرة الأولى، وقال:
ما يفعل السحر بالألباب في سنة
في الحال تفعله الأحداق والطرر
ومنهم من كانت تحييه نظرة وتميته نظرة كالذي يقول:
الوجه منك عن الصواب يضلني
وإذا ضللت فإنه يهديني
وتميتني الألحاظ منك بنظرة
وإذا أردت، بنظرة تحييني
ومنهم من عرته حالة غريبة، وهو أنه غار من عينيه أن تتمتعا وحدهما بالنظر إلى المحبوب فمنعهما النظر كالذي يقول:
إني لأحسد ناظري عليكا
حتى أغض إذا نظرت إليكا
ومنهم من كان يربأ أن ينظر بعينيه إلى عين من يحب؛ لأنه لا يستحق هذا الشرف. «قيل لبعضهم: أتحب أن ترى عيني محبوبك؟ قال: لا. قيل: ولم؟ قال: أنزه عينيه عن عيون مثلي».
وبلغت الغيرة من ديك الجن الحمصي أن قتل جاريته وبكاها، فقال:
فوحق نعليها، وما وطئ الثرى
عندي أعز علي من نعليها
ما كان قتيلها؛ لأني لم أكن
أبكي إذا سقط الغبار عليها
لكن بخلت على سواي بحسنها
وأغار من نظر العيون إليها
وهكذا عرض لحالات الناس المتفاوتة، وتصرفاتهم المختلفة إزاء الإعجاب بالعيون.
وانتقل من ذلك إلى «طيف الخيال»؛ لأنه رؤيا العين في المنام، فذكر ما أبدع فيه الشعراء من ذلك، وكيف تفننوا في معانيه، كالذي يقول:
نصبت جفوني للخيال حبائلا
لعل خيالا في الكرى منه يسمح
وكيف إذا أغمضتهن، بصيده!
ومن عادة الأشراك للصيد تفتح
وقول كشاجم:
لقد بخلت بطيف مسلم
علي وقالت رحمة لنحيبي
أخاف على طيفي إذا جاء طارقا
وناداك أن يلقاه طيف رقيبي
وانتقل من ذلك إلى ما تلاعب به الشعراء من الحوار بين القلب والعين، فالقلب يعتب على العين أنها جرت عليه الويل، والعين تعتب عليه أنه هو الذي دفعها إلى النظر بما أمل وطمع:
يقول قلبي لطرفي إذ بكى جزعا
تبكي وأنت الذي حملتني الوجعا
فقال طرفي له فيما يعاتبه
بل أنت جملتني الآمال والطمعا
حتى إذا ما خلا كل بصاحبه
كلاهما بطويل السقم قد قنعا
نادتهما كبدي لا تتعبا فلقد
قطعتماني بما لاقيتما قطعا
وختم الكتاب بباب طويل فيما ورد في العين من الشعر الرقيق مرتبا على حروف المعجم. وذكر في أكثر ما اختار سنة مولد الشاعر ووفاته. •••
ونلاحظ أن أكثر اختياره من الشعر الحديث الذي قيل في العصر العباسي الثاني وما بعده، كما نلاحظ أن كثيرا مما اختاره في العيون لمعاصريه كان غزلا في عيون الأتراك، فيقولون أحيانا: «من الترك لم يترك بقلبي بقية»، وأحيانا: «من آل خاقان له لفتة»، وأحيانا: «من نسل يافث نافث» مما يدل على أن المصريين أعجبوا بعيون الأتراك، وكانوا إذ ذاك هم الحكام، وقصورهم ملأى بالمماليك منهم.
وبعد فهذا الكتاب معرض فني من أغنى المعارض، وهو معرض ليس فيه - على سعته وكثرة ما يعرض فيه - إلا العيون وأشكالها ونظراتها، لو وقع في يد فنان صناع، لأبدع في تصويره أيما إبداع، وكم في كنوز السلف من روائع!
| أبو العبر
أمير من أمراء البيت العباسي. وناهيك بالأمراء العباسيين في أيام سطوتهم من عز وجاه، وعظمة وترفع عن الناس.
يدعو الخليفة ابن عمه، ويدعوه الخليفة ابن عمه، حسب اصطلاحهم في ذلك الزمان. ليس بينه وبين عبد الله بن عباس الصحابي الجليل إلا خمسة آباء، فهو ابن محمد بن أحمد بن عبد الله بن عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس.
يكفي أن يقول الرجل: إنه من البيت العباسي لتخضع له الرقاب، ويذل له العظيم؛ والناس يسمونهم الأشراف وأبناء الملوك. وإذا كانوا في حفل عند الخليفة فهو وحده يجلس على السرير، وأهل البيت العباسي وحدهم يجلسون على الكراسي، وسائر الناس يجلسون على الوسائد والبسط.