ثم التفتوا إلى شيء دقيق جدا يغبطون عليه. وهو اختلاف النظرات، فعبروا عن كل نظرة بعبارة؛ فقالوا: «رنوت إليه» إذا أدمت النظر في سكون طرف، و«سارقته النظر» إذا نظرت إليه نظرا خفيا، و«نظر شزرا» إذا نظر إليه بمؤخر عينه نظر الغضبان، و«شفنه» إذا نظر إليه نظر المبغض أو المتعجب، و«أزلقه ببصره» إذا نظر إليه نظرة متسخط، و«رأيتهم يتقارضون النظر» أي: ينظر بعضهم إلى بعض نظرة عداء، إلى غير ذلك.
وكما غنيت اللغة بالعين وما يتصل بها، غنى بها الأدب كذلك؛ فمنذ طالعنا الأدب العربي، رأينا الشعراء يعجبون بالعين ويتغزلون فيها، من عهد امرئ القيس إذ يقول: «وعين كمرآة الصناع تديرها» - إلى حافظ إبراهيم إذ يقول:
غضي جفون السحر أو فارحمي
متيما يخشى نزال الجفون
وإلى ما شاء الله أن يكون من الشعراء. •••
وكما كان الناس ينظرون إلى الجمال جملة، ثم أخذوا ينظرون إليه تفصيلا، كذلك مؤلفو الأدب. كانت تآليفهم الأدبية شاملة لكل شيء، وكان عرضهم للجمال لا يقتصر على شيء دون شيء، ثم رأينا نزعة في التأليف جديدة ترمي إلى التخصص في الجمال، والتخصص في جمال شيء بعينه. فرأينا صلاح الدين بن أيبك الصفدي يعجب بالخال ويفرد له تأليفا يسميه «كشف الحال على وصف الخال»؛ ولم يكن موفقا في هذه التسمية؛ بل كان قليل الذوق، فما يصح في باب الجمال أن يسمي شيء بكشف الحال.
وجاء شمس الدين النواجي ففتن بجمال العذار، وألف في ذلك كتابا سماه «خلع العذار في وصف العذار»؛ ولم يكن في هذه التسمية أكثر توفيقا من صاحبه.
ولكن مؤلفا ثالثا جاء فغضب من هذين الاسمين النابيين، كما غضب من أن يلتفتا إلى الخال والعذار ويغضا من جمال العيون، فألف كتابا في العيون سماه «سحر العيون»، فكان أكثر توفيقا في الاسم والمسمى. •••
من الأسف أني لم أعثر على اسم مؤلفه، ولكنه في ثنايا الكتاب يقول: «أنشدني صاحبنا الشيخ شمس الدين محمد بن أبي بكر القادري المولود سنة 824». فمؤلف الكتاب - إذا - من أدباء القرن التاسع الهجري؛ والظاهر أنه مصري لأنه يروي لنا في ثنايا الكتاب أحداثا مصرية، وأمثالا عامية مصرية.
أراد في هذا الكتاب أن يذكر كل ما يتصل بالعيون، وأراد أن يكون في العيون طبيبا، وفقيها، وأديبا؛ وكان خيرا له وللناس أن يكون أديبا فقط؛ فما أحراه وقد خصص كتابه للعين، أن يخصص نفسه لأدب العين؛ فمن العسير أن يجمع إنسان بين المهارة في الطب، والمهارة في الأدب.
على كل حال كان في قسمه الأول طبيبا، عرض للعين وشرحها، ورسم لها صورة طريفة، ووضع في الصورة اسم كل طبقة من طبقاتها؛ وتكلم فيما يعرض من أمراضها، وما يلائم من الأدوية لعلاجها، حسبما عرف من ذلك في زمانه.
ثم انقلب فقيها، فذكر دية العين في المذاهب المختلفة. وكان لغويا، فذكر مادة العين، وإطلاقها واشتقاقها.
وأهم ما في الكتاب قسمه الأدبي، عرض في فصل منه ما وقع في الأدب من تشبيهات العين؛ فمنهم من شبهها بالسهم، وشبه فعلها بفعله، ومنهم من وصفها بالنبل، أو بالخنجر، أو بسنان الرمح، أو بالسيف، ومنهم من يشبهها بزهر الفول، ومنهم من يشبهها بالنرجس. وقد حكى لنا أن بعض الأدباء في زمنه اعترض على تشبيه العين بالنرجس لصفرة لونه، وقال: إن هذا لا يصح إلا أن تكون العين معلولة بعلة اليرقان. وأجاب بعضهم أن بالمشرق نوعا من النرجس مكان الصفرة منه سواد، وهو الذي يصح التشبيه به، لا نرجس بلادنا. أما ابن رشيق فقال: إن وجه الشبه في تشبيه العيون بالنرجس هو الفتور لا اللون، كما قال ابن المعتز:
وسنان قد خدع النعاس جفونه
فحكى بمقتله ذبول النرجس
وهذا الفتور هو الذي يسمونه المرض، وهو مرض خير من ألف صحة، كما قال ابن عباد:
ونظرن من خلل الستور بأعين
مرضى يخالطها السقام صحاح