الدين الحق تحسين علاقة الإنسان بالله، وتحسين علاقة الإنسان بالإنسان، لتحسن علاقتهم جميعا بالله. والدين الصناعي تحسين علاقة صاحبه بالإنسان لاستدرار رزق، أو كسب جاه، أو تحصيل مغنم، أو دفع مغرم. •••
لقد صدق من قال: إن هذا الدين «لا يصلح آخره إلا بما صلح أوله»، وهل كان أوله إلا دين روح، وهل كان آخره إلا دين صناعة؟
جناية أهل كل دين أن يبتعدوا - كلما تقدم بهم الزمان - عن روحه ويحتفظوا بشكله، وأن يقلبوا الأوضاع، ويعكسوا التقدير، فلا يكون للروح قيمة، ويكون للشكل كل القيمة.
شأن «الإيمان» شأن العشق، يحول البرودة حرارة، والخمول نباهة، والرذيلة فضيلة والأثرة إيثارا.
والإيمان الحق كالعصا السحرية، لا تمس شيئا إلا ألهبته، ولا جامدا إلا أذابته، ولا مواتا إلا أحيته. •••
من لي بمن يأخذ الدين الصناعي بكل ما فيه، ويبيعني ذرة من الدين الحق في أسمى معانيه؟
ولي كبد مقروحة من يبيعني
بها كبدا ليست بذات قروح
| سحر العيون ...
من قديم والأشجار والأزهار والأطيار والنجوم، قد مدت خيوطها إلى قلب الإنسان فأسرته، فشعر شعورا ساذجا بجمال السماء والأرض وما فيهما.
ولكنه في عهده الأول قد شغل بتحصيل القوت، والتغلب على البيئة القاسية، فلم يلتفت إلى الجمال إلا لماما؛ فلما غلب البيئة، وتيسرت له وسائل العيش وجد من الزمن ما يكفي للتغزل في الطبيعة ومناغاتها.
هام بالجمال وفتن به، وتفتح قلبه له؛ وهاجت عواطفه نحوه؛ فلم يكفه أن يرشف الجمال في صمت وسكون، بل دعته العاطفة الهائجة نحو الجمال أن يعبر عنها، فكانت الموسيقى والرقص والأغاني والحفر والتصوير، وكان الأدب - وبعبارة أدق كان نوع من الأدب - وعدت هذه كلها فنونا جميلة؛ لأنها تعبر عن الجمال؛ ولأنها في ذاتها جميلة. •••
شغف الإنسان بالحسن يتبعه، فوجده في الزهور ، ووجده في البحار والأنهار، ووجده في الطبيعة على فطرتها، ووجده في الإنسان نفسه. وما أشك في أن الحب الذي كان بين آدم وحواء، كان منشؤه ما قرأ آدم في حواء من جمال الأنوثة وما قرأته حواء في آدم من جمال الرجولة!
كان الإنسان الأول ينظر إلى الجمال جملة، كما ينظر إلى العالم جملة، وإلى كل شيء جملة؛ فلما تقدم به الزمان، أخذ ينظر الأشياء تفصيلا، وإلى الجمال كذلك تفصيلا. وبعد أن كان يعجب بالطبيعة جملة، أخذ يعجب بالشمس - مثلا - ثم أخذ يعجب بالشمس في شروقها وغروبها، ثم أخذ يعجب بالشمس تغرب في البحر، وهكذا.
وكذلك كان شأن الإنسان مع الإنسان، أعجب به جملة، ثم أخذ يتبين مواضع الجمال فيه تفاريق، فدلته المقارنة على شروط الجمال في الأعضاء، وهداه الذوق الفطري إلى إدراك صفات الجمال في كل عضو؛ فالرشاقة في القد، والأسالة في الخد، والتلع في الجيد، والذلف في الأنف
1 ، والفلج في الأسنان، إلى آخر ما هنالك. •••
لعل أجمل الأحياء الإنسان، ولعل أجمل ما في الإنسان عيناه، فإذا كان لكل شيء خلاصة فخلاصة الإنسان عينه، هي مستودع سره، وهي النافذة التي يطل منها غيره على ما في أعماق نفسه، وهي الترجمان الذي يعبر أصدق تعبير عما يجول في نفسه من عواطف. تعد وتوعد، وترغب وترهب، وترسل مرة شواظا من نار، ومرة شآبيب من عطف وحنان، تقسو وترحم، وتنعم وتؤلم، وتصل وتصد، وتقبل وتنفر، وتعجب وتحتقر، وهي في كل موقف من هذه المواقف تتخذ لها وضعا يناسبه، وشكلا يوائمه؛ تتلون ولا تلون الحرباء، وتتشكل ولا تشكل الحسناء، في الأزياء. هي للمرأة أقوى سلاح، وفي روايات الحب أمهر لاعب، وفي مرسح الغزل أشهر ممثل، وفي ميدان الأدب أبرز جائل وصائل. •••
وفي الحق أن لغتنا العربية من أكثر اللغات وفاء للعين، واعترافا بقيمتها، وتسجيلا لدقيقها وجليلها. لقد وضعوا لكل جزء من أجزائها - مهما دق - اسما بل أسماء، لا أطيل بذكرها، ووضعوا بيانا لما يستحسن في العين من الصفات، وسموا كل نوع من الجمال باسم ، فقالوا: «عين ظمياء» إذا كانت رقيقة الجفن، و«عين نجلاء» إذا كان جمالها في سعتها، و«عين حوراء» إذا كان جمالها في شدة سوادها وشدة بياضها، و«عين دعجاء» إذا كان جمالها في لونها وسعتها معا، إلى آخره.