ومن عجب أن البريد يحمل في ثناياه نغمات موسيقية مختلفة بأكثر مما تختلف العود والقانون؛ فهذه نغمة «وصل» سارة إلى أقصى حدود السرور، وهذه نغمة «هجر» محزنة إلى أقصى غاية الحزن، وبين هذه وتلك نغمات لا عداد لها، بين السرور والحزن، والقبض والبسط؛ فغزل رقيق، وعتاب لاذع، وقطيعة مفجعة، وحنو أبوي، وقسوة وحشية، وما شئت من لعب العواطف وتقلبات القلوب. •••
ثم ما رأيت عاملا تتعلق به الآمال، وترتقبه العيون، كما رأيت في ساعي البريد. هذا محب ينتظر كلمة من حبيبه يمسك بها نفسه، وهذا مشفق على مريض يتبرم من انتظار ساعي البريد يحمل إليه كلمة عن مريضه، وهذا رب مال يرتقب ما يأتي به البريد ليفرح أو يحزن على ما خبأه له القدر من نجاح أو إخفاق، ومثل ذلك كثير .
قد عرفوا مواعيد البريد فارتقبوها، ومنهم من زاد به قلقه فكان يخرج ساعته ينظر إليها كلما مرت دقائق، ويستطيل الوقت ويلعن عقارب الساعة إذ تسير ببطء، ومنهم من ارتقب «ساعيه» في شرفة المنزل ليمتع به نظره، ويغذي به أمله، آتيا من بعيد يترنح في مشيته، ويتلاعب بما يحمل في يديه من عواطف، وينتقل من بيت إلى اليمين إلى بيت إلى اليسار حتى يأتي دوره، فينقبض وجهه وينبسط، ويتذبذب بين اليأس والأمل، وقد يضحك منه القدر فيأتيه خطاب فيفرح، ويفتحه فيحزن، ويكون مثله مثل القائل:
ما أقبح الخير تعطاه فتحرمه
قد كنت أحسب أني قد ملأت يدي
ومنهم من يتكلف الرزانة فلا يتطلع للساعي، ولكنه يكرر النظر في صندوق البريد، فيطل من زجاجته ويفرح إذا صاد، وينقبض إذا لم يصد، وهكذا أشكال وألوان، وكلها حول البريد. •••
ويكاد يكون الفرح بالبريد صفة عامة يشترك فيها الناس على اختلاف بينهم في مقدار فرحهم. فما سر هذا الفرح؟
هل هو فرح من جنس فرح الأطفال «بحلاوة البخت»، وهو صندوق صغير من الورق ونحوه يشتريه الطفل ليرى فيه بخته؟ وأساس هذا الفرح - نفسيا - أن الإنسان خلق طلعة، ركز في طبعه حب الاستطلاع لما غمض، والاستكشاف لما خفي؛ فإذا رأى الناس يجتمعون في الشارع على شيء تطلع إلى معرفة خبره، وإذا رأى شيئا مغلقا تاق إلى معرفة ما في داخله. وقد أدرك التجار هذه الغريزة في الإنسان، فكان من طرقهم أنهم أحيانا يلفتون نظر الناس إلى السلع بإخفائها وحجبها عن الأنظار، ثم الإيعاز بطرق مختلفة إلى الدلالة عليها، والإتيان بها من صندوق داخل صندوق. وتجار الكتب الإفرنجية أحيانا يغلقون الكتاب بغلاف محكم، أو يضعون له قفلا للدلالة على أن فيه ما يحجب عن الأنظار، فيكون الجمهور بذلك أشوق إلى شرائه لاستكشاف أسراره، وقد لا يكون هناك سر ولا شيء غير مألوف، ولكنها المتاجرة بما في الإنسان من حب الاستطلاع.
واستغل هذه الصفة أيضا كتاب القصص والروايات، فحاكوا حوادثها حول مسألة خبئوها في الرواية حتى يشتاق القارئ والناظر إلى معرفة خبيئها واستكناه كنهها. ويكون نجاح الكاتب بمقدار مهارته في الإخفاء، والدلالة على ما خفي في بطء وحذر، وإلهاب الشوق إلى استطلاع ما غمض.
قد يكون هذا هو السبب في فرح الناس بما يأتيهم من بريد، وقد يرجحه أنهم يغضبون جد الغضب إذا علموا أن غيرهم فتح بريدهم. وليس سبب ذلك الغضب أن غيرهم قد حاول أن يطلع على ما قد يكون لهم من أسرار فحسب، بل إن من أسباب غضبهم أيضا أنهم فوتوا عليهم لذة استكشاف المجهول، واستيضاح الغامض.
وقد يكون الفرح بكثرة البريد عند كثير من الناس سببه الشعور بالعظمة، فهو يشعر أن كثرة بريده آية شهرته، وشهرته آية عظمته، فالبريد يغذي شعوره بالعظمة وإعجابه بالشهرة؛ فالتاجر إذا تضخم بريده كان ذلك آية كثرة عملائه ومعاملاته؛ والسياسي إذا عظم بريده كان ذلك دالا على نجاحه في سياسته، وارتباطها بقلوب كثير ممن حوله؛ والعالم إذا كثر بريده دل على كثرة اتصاله بالحركة العلمية وبالعلماء، وعلى شهرته في الأوساط العلمية، وهكذا.