تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

موقفه الآن من الإنسان وهو قوي ببخاره، وحديده وناره، وكهربائه ولا سلكيه، موقفه منه وهو ضعيف لا يعرف إلا الشراع والهواء.

ديمقراطي بطبعه، لا يخشى ملكا لملكه، ولا غنيا لغناه، ولا فقيرا لفقره، ولا بائسا لبؤسه، من أراد أن يستمتع بمائه - كائنا من كان - وجب أن يتقدم إليه بكل علامات الطاعة، فيتجرد من مظاهر العظمة وأكاذيب الأبهة، فيخلع حذاءه، ويكشف رأسه، ويعري جسده، وإن كان غنيا تساوى بالفقير في مظهره، وإلا عرف البحر كيف يؤدبه.

اعتز بقوته، فلم يسمح لمخلوق من مخلوقاته أن يعيش في البر ساعة، ولم يكن للبر مثل قوته فعاش أهله في البحر أياما.

كان - ولا يزال - عمقه الهائل، وموجه القوي المضطرب، وحركته الدائمة، وقوته الضخمة، مع ليونته وسلامته وجمال منظره الدائم، مبعث الحب والإجلال، ومثار الشعر والخيال. •••

ثم ماذا؟

ثم إنا والبحر والبر والعالم وحدة واحدة، كل منا جزء منها، وكل منا جزء صغير من آلتها العظيمة، ولنا كلنا خطة واحدة وغاية واحدة، علمنا بعضها، وظننا بعضها، وجهلنا أكثرها.

وهي كلها تخضع لإرادة واحدة، يسميها الدينيون إرادة الله، والمدنيون إرادة الطبيعة، والحقيقة واحدة والاسم مختلف.

تدور هذه الآلة العجيبة في نظام وإحكام يستخرجان العجب! وما ظنك بآلة تلد نحو خمسين ألفا من صنف الإنسان في الساعة وتميت مثلها؟ وذلك - فقط - في ذرة حقيرة من جسم العالم اسمها «الأرض».

إن عقلنا ليعجز عن إدراك كنه هذه الآلة العظيمة عجز النملة عن إدراك كرة تسير هي عليها، أو عجز أعشى عن إدراك ما في الأفق البعيد!

إن العلماء يدركون من هذه الآلة ما أدرك أن من منظر هذا البحر؛ أدرك سطحه، ولا أدرك عمقه، وأدرك جماله ودلاله، ولا أدرك كنهه، وأدرك جزءه، ولا أدرك كله.

إن لهذه الآلة قوانين حازمة صارمة، تعطف كل العطف على من وافقها، وتقسو كل القسوة على من خالفها؛ وهذه القوانين معقدة مركبة تبعا لتعقد الآلة وتركبها، ولكل جزء من هذه الآلة قوانين ترتبط بقوانين المجموع؛ من وافقها حملته سالما في تيارها، ومكنت له من أن يرتع في نعيمها، ومن خالفها كان كناطح الصخرة، ينال من نفسه، ولا ينال منها.

وأكبر شقاء العالم الإنساني - أفرادا وأمما - أتى من أنه جهل قوانينها، أو عرفها ولم يسر عليها. ولا أمل في سعادته حتى يعلم، وحتى يعمل وفق ما يعلم. •••

ثم ماذا؟

وجاءت موجة عالية، فلطمت الصخرة لطمة قوية، أصابني رشاشها، فتنبهت من أحلامي، وعدت من حيث أتيت!

| الفرح بالبريد

ما رأيت «مصلحة» تتلاعب بعواطف الناس كما تتلاعب «مصلحة البريد»، ففي كل يوم تحمل القناطير المقنطرة من «الخطابات»، ليست قيمتها في وزنها ولا عددها، ولكن قيمتها في عواطفها، فكم خطاب حمل في طياته أسمى عواطف الحب، وأبلغ عبارات الغرام، لو نشر ما فيه لكان آية من آيات الأدب الخالد، ولو حلل لتقطرت منه دماء القلوب وعصارة الأفئدة - تزنه مصلحة البريد فتقدر عليه لخفته «قرشا»، ولو كان عندها ميزان للقيم لأعجزها أن تجد له الطابع الذي يتناسب وقيمته، فقد سهر فيه كاتبه الليالي، يحاول أن يجد ترجمة دقيقة لمعانيه، وعبارة حارة في حرارة عواطفه، وجملا رقيقة في رقة نفسه، وألفاظا موسيقية في موسيقى خلجاته. وهيهات أن يتم له ذلك مهما جود، فاللغة لم توضع - في الأصل - لترجمة العواطف، وإنما وضعت أول أمرها للتعبير عن شئون الحياة المادية من أكل وشرب ولبس ونحو ذلك. فلما حاولت التعبير عن العواطف شعرت بالعجز، فأكملت نقصها باستعارات ومجازات وتشبيهات ومحسنات وكنايات، ثم تبين لها بعد ذلك كله أنها أكملت بعض النقص ولم تكمل النقص كله؛ ثم تأتي مصلحة البريد بعد ذلك، فتعامل هذا الخطاب كما تعامل خطابا لا يحمل معنى، أو يحمل معنى سخيفا وغرضا تافها، وليس هذا بأول ظلم في العالم، فقانونه قلب الأوضاع وإهدار القيم. فإن عجبت فاعجب لقيم قوم، ولكن لا تعجب من قيم لم يقوم، فذلك هو الأصل. •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٣٦