تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد يكون لهذه القاعدة شواذ، فمن الناس من يهربون من البريد هروبهم من مطالعة الوجه النكد، والشر المفاجئ، كأولئك الذين كانوا أغنياء فبددوا ثروتهم، وأضاعوا أموالهم، فلم يبق من آثار ثروتهم إلا بريد يطالب بديون، أو ينذر بحجز، أو يفزع بصدور حكم. •••

وأيا ما كان فمن مظاهر رقي الأمة أن يكثر بريدها في المعاني والآداب والعلوم؛ فيكثر تعامل الأدباء، ويكثر التراسل بين الطلبة وأساتذتهم، والقراء ومجلاتهم، والسياسيين ورجالاتهم، وزعمائهم وأتباعهم؛ فإن هذا مظهر الحيوية العقلية والفكرية والاجتماعية، ودليل على أن للأمة مثلا أعلى تنشده وتسعى إليه، وتتجادل فيه، وتتخاطب في شأنه، وتتراسل في تمحيصه، ودليل على أنها تفهم أن العيش ليس مجرد طعام وشراب، ومعاملات مالية، ورسائل غرامية، وسؤال عن الصحة والعافية، وتحديد موعد مقابلة، واعتذار عن تأخر.

ويخيل إلي - مع الأسف - أن بريدنا الأدبي والعلمي والسياسي ضعيف جدا إذا قيس ببريد المعاملات المالية، والشئون الغرامية، والحياة المادية.

والأمة إذا رقيت كثر بريدها الأدبي بمعناه الواسع، وفي كثرته دليل على توثق الصلات بين رجال المعاني من طلبة وأساتذة، ومن أدباء وأصدقائهم وقرائهم، وعلماء وأعوانهم، وسياسيين وأتباعهم.

في الأمة الراقية يفهم الأستاذ في المدرسة أو الجامعة أن العلاقة بينه وبين طلبته لا تنتهي بمجرد إلقاء الدرس وتأدية الامتحان؛ وإنما هي علاقة استرشاد علمي وروحي دائم، فإذا تيسر اللقاء كاشف الطالب أستاذه بمشاكله وشئونه، كما يكاشف الشيخ الصوفي مريده، وكما يعترف النصراني المتدين لقسيسه، وإذا لم يتيسر فالبريد الأدبي يقوم مقام اللقاء.

وفي الأمة الراقية لكل أديب قراؤهم «زبائنه» كما للتاجر «زبائنه»؛ وهؤلاء زبائن الأدب يعرفون كل شيء عن أديبهم، ويقرءون كل ما يكتب، ويسمعون كل ما يخطب، ويتعصبون له كما يتعصب السماعون لمغنيهم. وهم يقترحون عليه ما يكتب كما يقترح السماعون لمغنيهم ما يغني، وفوق ذلك ينقدونه في نتاجه، فيشجعونه إن أحسن، ويبينون مواضع ضعفه إن أساء؛ وعلى الجملة يراقبونه أشد المراقبة، فيشعر بأنه حي بهم، يستمد من قوتهم، ويصلح أخطاءه من التفاتاتهم.

أما الأديب عندنا فمثله مثل المحاضر في «الراديو» يتكلم وحده ولا يشعر بما يجري وراء حجرته، ولا يسمع تصفيقا، ولا يحس ضيقا، وليس أمامه عيون يقرأ في نظراتها علامات استحسان أو استهجان؛ فهو في طريقه مع غير مرشد، ومن غير مشجع، وبذلك ضعف البريد الأدبي.

كل الصلات بيننا مفقودة، فلا صلة بين الأستاذ وطلبته إلا صلة الدرس، ولا بين الأديب وقرائه إلا صلة القراءة إن كانت، ولا صلة بين الأدباء أنفسهم إلا صلة السباب، فإن لم يكن سباب فرياء، ولما تكن بعد صداقة.

لكم حمل إلينا بريد أوروبا أخبارا عن أدبائهم وما كان بينهم وبين قرائهم من صلات أفادتهم في توجيههم، وما كان يطالعهم به البريد كل صباح من آراء ناضجة بجانب آراء تافهة؛ وما كان بين الأدباء بعضهم وبعض من صداقة أوحت بالخطط وعدلت من المنهج، وأنتجت مناظرات قيمة، ومساجلات ممتعة، فإن كان بينهم أحيانا سباب مر فبينهم أحيانا صداقة حلوة، وإن نفث بعضهم السم فمنهم من ينتج الترياق. •••

لشد ما أخشى أن يمطرني القراء ببريد يكذبون به رأيي وينقضون به دليلي ثم يكلفونني الإجابة عنه؛ وهذا ما لا طاقة لي به، فأثقل شيء علي أن أرد على البريد، وسلوكي نفسه في البريد دليل على ما أشكو منه، فإن قنعوا ببريد لا رد له، فلهم كل الشكر.

| الدين الصناعي

هل تعرف الفرق بين الحرير الطبيعي والحرير الصناعي؟

وهل تعرف الفرق بين الأسد وصورة الأسد؟

وهل تعرف الفرق بين الدنيا في الخارج والدنيا على الخريطة؟

وهل تعرف الفرق بين عملك في اليقظة وعملك في المنام؟

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٣٨