ففي فؤاد المحب نار جوي
أحر نار الجحيم أبردها
فكذلك أردت أن أثأر لنفسي وللناس من حر هذا العام بكتابة مقالة تطفئه، وأخشى ما أخشاه أن تخرج فاترة، لا بالحارة فتعجب، ولا بالباردة فتطفىء. •••
أول ما خطر لي في الحر أني الآن لابس ثوبا أبيض واسعا فضفاضا، مكشوف الرأس عاري القدمين، جالس في حديقة، وأشجار عن يميني وأشجار عن يساري، وحوض زاهر أمامي، وقد رشت الأرض من حولي، وبجانبي إناء مما يحفظ فيه الماء مثلوجا، لا أدري ما اسمه بالعربية؛ وكل شيء حولي يرطب الجو ويلطفه ويعدله، وأنا مع هذا كله برم بالحر، ضيق الصدر، مغيظ محنق، أتلمس أقل سبب، لأعلن الغضب - وعلى البعد مني أصوات ترتفع بالنداء، هذه تحمل قفصا مملوءا بالفراخ، وهذا يجر عربة ملئت بأصناف الخضر، وهذا ثالث يحمل على رأسه سفطا كبيرا قد ملىء بالتين أو العنب، وهو سائر طول نهاره في هذا القيظ ينادي، ولا يعبأ بشمس ولا حر، ولا يضجر كما أضجر، ولا يألم كما آلم، ولا يفكر في الحر كما أفكر - أليس في الأرض عدل؟ أليس الشقاء قد أكسبه مناعة وقوة؟ أوليست الرفاهية والمدنية والنعيم قد حرمتني الجلد والاحتمال؟ إنه ليسعد بما أشقى به، إنه ليسعد بشربة ماء من كوز من حنفية، ويسعد بالارتماء في ظل بيت في الشارع بعد أن أعياه التعب وأضناه السير، ويسعد بقرش يكسبه ليشتري به خبزا جافا يأكله فينعم به. إن كانت السعادة في اللذة والطمأنينة وهدوء البال، فمما لا شك فيه أن هناك مجالا للتفكير العميق «أينا أسعد». وتبا للعيش الناعم، والمدنية المعقدة، والرفاهية المترفة، التي أرهفت حواسنا وإحساساتنا، وأفقدتنا الصبر واحتمال المكاره، وجعلتنا نفر من نعيم إلى نعيم أدق منه نظن فيه السعادة، وما السعادة إلا في العيش البسيط والمران على الجلد، واحتمال ألوان الحياة وصنوف التعب، وأقلها الحر والبرد. إن تحتمل الحر فلا حر، وإن تحتمل البرد فلا برد، وإن تعتد بساطة العيش تكره نفاق المدنية. وإن السعادة لخير ما يحقق مذهب «أنشتين» في النسبية، فكل شيء في الحياة من لذة وألم نسبي؛ وليست اللذة والألم يعتمدان على الشيء الخارجي فحسب، بل هما نتيجة تفاعل بين الشيء الخارجي والنفس، ويختلف هذا التفاعل اختلافا كبيرا باختلاف النفوس؛ فليس الألم من الحر والبرد يعتمد على درجة الحرارة وحدها، إن صلح الترمومتر أن يكون مقياسا لحرارة الجو، فلا يصلح أن يكون مقياسا لألم النفس من الحر، وليس لهذه الحال ترمومتر مشترك يتساوى فيه الناس، إنما لكل إنسان في الألم من الحر والبرد ترمومتره الخاص، وكذلك ترى من يموت من الحر، ومن يموت من الضحك على الحر. ومن الغريب أن يتوجه كل الناس بكل مجهودهم للتخلص من الحر بالاصطياف وسكنى الشواطىء والمراوح والمرطبات، ولا يبذلون أي جهد في الناحية الأخرى وهي الناحية النفسية بترويضها وتمرينها على الاحتمال، وتعويدها الصلابة! وهذا في نظري ليس أقل شأنا ولا أصغر قيمة من العلاج الأول. •••
وخطر لي أن علماء الجريمة يذكرون أن هناك أنواعا من الإجرام تكثر في الصيف كالإجرام الجنسي، وأنواعا تكثر في الشتاء كإجرام السلب والنهب، فقلت: لعل ذلك أيضا في الأدب، فالأدباء يهيج بعضهم على بعض صيفا أكثر مما يهيجون شتاء، ويهيجون في القاهرة أكثر مما يهيجون في الإسكندرية؛ إن شئت مصداق ذلك فانظر ما كان بين من يسمونهم أدباء الشيوخ وأدباء الشباب، وانظر ما كان بين أدباء الشيوخ بعضهم وبعض، وأدباء الشباب بعضهم وبعض، أليس هذا كله فعل الحر؟ أوليس من كان في الإسكندرية على شاطئ البحر كان يعجب من فعل الحر في أدباء القاهرة؟ ولئن كان الحر يؤاخذ على ما جنى من تعريض العلاقات بين بعض الأدباء لخطر، فإنه يشكر على أنه استطاع أن يستخرج من الأدباء قطعا فنية بديعة أكملت أبواب الأدب، فإن القدماء قد عدوا من أبوابه باب الهجاء كما عدوا باب المديح - كما أنه يشكر إذ لم يسلط ناره الحامية على الأدباء طويلا، فقد حول عدسته إلى غيرهم ليتنازعوا، فنجا الأدباء من ثورته، وهدأت عواطفهم وتصافت نفوسهم. •••