تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأخيرا خطرت لي محمدة جليلة للحر القائظ، والبرد القارس، وقلت: إن هذه المحمدة تفوق كل ما كان للحر والبرد من سوء، ولولاها ما تقدمت الإنسانية. وما رقي النوع البشري هذا الرقي، ولظل هائما على وجهه كالوحوش؛ ذلك أن الشمس بنارها اللافحة، والحر بشدته اللاذعة، والبرد بحدته القاسية، وأمطاره المنهمرة، وببرده وثلوجه، والطبيعة العنيفة بعواصفها ورياحها، كل ذلك هو الذي ألجأ الإنسان قديما إلى أن يبحث له عن ملجأ يأوي إليه من الحر والبرد، فسكن الكهوف في نشأته الأولى، وظل يرتقي في ضروب من الارتقاء حتى أسس البيت، وأسس الأسرة، وكونت الأسر القبائل والمدن، وكونت هذه القبائل الأمم؛ ثم تعاونت الأمم على ترقية النوع الإنساني، فلولا الحر والبرد ما أظن أن قد كان بيت، ولولا البيت ما كانت الأسرة، ولولا الأسر ما كانت أمم. أليس الحر والبرد إذا كان أفعل في ترقية النوع الإنساني من كل مظاهر الحياة وظواهر الكون؟ فإذا قلنا: إن تقدم النوع البشري مدين في تقدمه لرداءة الجو، وشدة الحر والبرد، لم نبعد. •••

خطر لي كل هذا حينما حاولت أن أكتب في الحر فبدأ الضجر يقل، والألم يحتمل، والنفس تهدأ، والعاصفة تسكن، والاحتمال يقوى. فهل هذا يستمر؟ سأجرب.

على كل حال قد هزئت بالحر ونسيته - ولو إلى حين - بكتابة مقال فيه.

| الشخصية

أعجب ما في الإنسان شخصيته، وقد تنوعت الشخصيات بعدد ما على الأرض من أشخاص، فترى الشبه الكبير بين الحجر والحجر، حتى يصعب عليك أن ترى بينهما فرقا، وترى المطبعة تخرج آلافا من الكتب تتشابه وتتماثل، لا تميز بين أحدهما والآخر، وترى الشبه كبير بين الوردة والوردة في رائحتها ولونها وكل شيء فيها، وترى الحيوانات من فصيلة واحدة تتشابه وتتقارب حتى ليلتبس بعضها ببعض. أما الإنسان والإنسان فلا، حتى ليكاد يكون كل إنسان فصيلة وحده؛ فإن كان علماء «الأثنولوجيا» استطاعوا أن يقسموا الإنسان إلى أنواع، وأن يضعوا لكل نوع خصائصه ومميزاته، فذلك عمل تقريبي محض؛ أما إن أرادوا الدقة التامة فلا بد لهم أن يضعوا كل فرد في قائمة وحده، له مميزاته الخاصة في جسمه وعقله، وروحه وخلقه؛ فإذا أردنا أن نحصي الشخصيات في هذا العالم فعلينا أن نحصي عدد الناس فنضع ما يساويه من عدد الشخصيات - وكانت اللغة عاجزة كل العجز عن أن تضع لكل شخصية اسما خاصا، فاكتفت في الجسم بأن تقول: طويل أو قصير، وسمين أو نحيف، وأبيض أو أسمر؛ مع أن كل كلمة من هذه تحتها أنواع لا عداد لها، فهناك آلاف من أنواع الطول، وآلاف من أنواع القصر، وآلاف من الألوان؛ ولكنها عجزت فقاربت، ولو حاولت أن تضع اسما خاصا لكل نوع من الأنواع العيون وحدها، على اختلافها في الألوان، واختلافها في النظرات، واختلافها في السحر، واختلافها في السعة والضيق لوضعت في ذلك معجما خاصا، وهيهات أن يغنيها.

وعجز علماء الجمال فاكتفوا بقولهم: جميل وقبيح، مع أن هناك آلافا من درجات الجمال، وآلافا من درجات القبح، بل إنك لا تستطيع أن تنزل إنسانين في منزلة واحدة من الجمال والقبح، فلما أعياهم الأمر قنعوا بقبيح وجميل، واكتفوا بالإجمال عن التفصيل.

وعجز علماء الأخلاق فوقفوا في ذلك مثل موقف إخوانهم علماء الجمال، فقسموا الأعمال إلى خير وشر، وقسموا الصفات إلى فضيلة ورذيلة، وسموا الإنسان خيرا أو شريرا، وهيهات أن يكون ذلك مقنعا، فالخير والشر يتنوع بتنوع الأفراد، ولو كان للأخلاق ميزان دقيق لاحتاج إلى نسج بعدد ما في العالم من إنسان.

الحق أن علماء كل علم عجزوا عجزا تاما عن أن يجاروا الشخصيات في كل مناحيها، وأن يسيروا وراء تحديدها تفصيلا، ووجدوا العمر لا يتسع لهذا ولا لبعضه، فعنوا بوجوه الشبه أكثر مما عنوا بوجوه الخلاف، وعنوا بالموافقات أكثر مما عنوا بالفروق، وفضلوا أن يضعوا مسميات شاملة، وإن شملها الخطأ، وأن يضعوا قواعد عامة، وإن عمها الغموض والإبهام، وقالوا: ليس في الإمكان أبدع مما كان. •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٨