تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما الأسرة السعيدة؟ وما الأسرة الشقية؟ أليست السعيدة من عرفت فيها الزوجة نفسية زوجها والزوج نفسية زوجته، وعمل كل منهما على أن يصدر منه ما يتفاعل ونفس الآخر حتى ينتج هذا التفاعل تآلفا، فإذا انحرف أحدهما عن هذا الوجه عن جهل أو عن علم ساء البيت ونشأ تفاعل من جنس آخر نتج عنه البغض والكراهية والشقاق.

الحق أن هذه كلها معادلات في الكيمياء النفسية تشبه تمام الشبه المعادلات الكيمياوية التي تجرب في المعمل. ومع الأسف لم يصل الناس إلى حد بعيد في دراسة الكيمياء النفسية، ولم ينشئوا لها المعامل الناجحة نجاح المعامل الكيمياء المادية. والخطأ في النفس كثير الوقوع لصعوبة تعرف الذرات النفسية وتكوين المعادلات الدقيقة.

وإذا أدرك الإنسان هذا التفاعل واختلافه ودقته أدرك خطورته، وخاصة فيمن يتصل مركزه بنفوس كثيرين كالصحفي والأديب، والمعلم والخطيب، والزعيم؛ فقد يصدر عنه ما ينفعل ونفوس الناس فيكون سما ناقعا، وقد ينتج عنه ما يكون دواء ناجحا.

| في الحر

اشتد الحر وشغل الناس بالتفكير فيه، وبطرق التغلب عليه، وبالتأفف منه؛ فهذا يدبر المال للإقامة في مصيف فيوفق ويرحل، وهذا لا يواتيه المال فيقيم على مضض، وهذا نزاع عائلي بين ميزة الاصطياف في أوروبا والاصطياف في الإسكندرية، وهذا غني أفلس يأتي عليه الحر فيذكره بأيام هنيئة قضاها في أجود المصايف وأنزه الأماكن، فتجتمع عليه لذعة الحر ولذعة الذكرى - وهذا بائع مرطبات والمبردات يسأل الله أن يزيد في الحر حتى يكثر من بيعه، ويزيد ربحه، وهذا يرقب درجة الحرارة من حين لآخر ليعلم أتحسن الجو أم ساء، وهو يتبع المقياس في رضاه وسخطه، وهذا يقرأ نشرات مصلحة الطبيعيات ليقارن بين القاهرة والإسكندرية، والقاهرة وبورسعيد، فإن كان في الإسكندرية رثى لمن في القاهرة، وإن كان في القاهرة حسد من كان في الإسكندرية؛ وإن كان في أسيوط عزى نفسه بقلة الرطوبة وجفاف الهواء؛ ومن كان في مصر كلها حمد الله على أنه ليس في أمريكا حيث يختنق الناس - وهذه شغلها التفكير في المقارنة بين حمام ستانلي وسيدي بشر: أيهما أكثر ناسا، وأنظف مرتادا، وأحسن للعرض وأمتع للنفس. وهذا يرتقب غروب الشمس التي تكويه بنارها ليخرج إلى الجزر والأنهار والمقاهي المفتوحة والملاهي في الجو الطلق، فينتقم في ليله من نهاره - وهذا وهذا وهذه وتلك، مما لا يعد ولا يستقصى؛ ولكن لا بد من «هذه» أخرى أنسيتها، فهذا كاتب وشاعر شغله الحر من ناحية أخرى، فهو يريد تشبيها جميلا للحر أو تعبيرا بليغا، فيقول: هذا الجو أحر من الرمضاء وأحر من دمع الصب، وأحر من قلب العاشق، ومن فؤاد الثاكل؛ ثم لا تعجبه هذه كلها فيريد تشبيها مخترعا، أو عبارة مبتكرة، أو استعارة بديعة، فيسبح في الخيال، وينسى الحر، وهي حيله لطيفة للتخلص منه!

أما أنا فقد ضايقني الحر وحرت بين مصر والإسكندرية، تؤلمني الأول بحرها القاسي، وتؤلمني الثانية برطوبتها الثقيلة، ووددت أن لو كان لي من المال ما يمكنني من أن أطير صباحا فأقضي النهار في الإسكندرية، وأطير مساء فأقضي الليل في القاهرة.

وأخيرا رأيت أن أهرب من الحر حينا بالتفكير في الكتابة فيه، وقلت: إنها فرصة جميلة أن أكتب في الحر، فإن خرج المقال قيما ممتلئا حرارة وقوة ربحت ربح المحسن في عمله - وليس لي كبير أمل في ذلك - وإن خرج المقال باردا أكون قد أحسنت إلى الناس فرفهت عليهم، وانتقمت من الحر، وأعنتهم عليه؛ وأي فرصة للكاتب خير من هذه؟ يحسن إذا أحسن، ويحسن إذا أساء، وللإنصاف لا بد أن أعلن أني لست مبتكرا لهذا المعنى، إنما أخذته من نادرة لها اتصال بالحر، فقد أنشد بعضهم بيتا من الشعر فقال سامعه: إن هذا البيت لو طوح في نار المتنبي لأطفأها، ويريد ببيت المتنبي قوله:

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٦