تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فنقطة البدء في حياة الشباب يجب أن تكون هي دراسة نفسه، وتعرفه موضع نبوغه، ومواضع ضعفه، واختيار العمل الذي يعمله، ونوع الدراسة التي تناسبه، وتحديد الغاية التي ينشدها؛ ولعل الطبيعة لم تخل أحدا من نبوغ في ناحية من نواحي الحياة، وإنما يميت هذا النبوغ أو يضعفه أن الشاب لا يستكشفه، فيختار ما ليس له بأهل، فتكون النتيجة المحتومة الفشل تلو الفشل، ويلصق ذلك بالقضاء والقدر، وما القضاء والقدر في هذا إلا أن بين جنبيه كنزا لم يعرف مفتاحه، وكم بين العاطلين والبائسين ومن لم يجدوا قوت يومهم من لو اتجه وجهة صالحة لأصبح نابغة فنه أو علمه، ولأتاه الرزق من كل مكان!

ولكن كم من الناس يموتون عطشا في الصحراء والماء على مقربة منهم، لم يهتدوا إليه، ولم يوفقوا إلى مكانه!

وليس يستطيع أي عالم أو مرشد أو ولي أمر أن يستكشف موضع النبوغ في الشاب كما يستطيع الشاب نفسه؛ فنفسه بين جنبيه هو أقدر على أن يقيسها ويقيس اتجاهاتها، وهو لو دقق النظر وأخلص النية في تعرف جوانبها، ولم تغره المطامع الخادعة والمظاهر الكاذبة، لعرف سر نفسه وموضع عظمته.

صعوبات الشباب

وليست هذه هي الصعوبة الوحيدة للشباب، فهناك صعوبات عدة تعترضهم وتحاربهم، وتدفعهم إلى الشر، وتصدهم عن الخير.

من أهم هذه الصعوبات «الوراثة والبيئة»؛ فهناك كثير من الشباب ورثوا الميل إلى الإجرام، والميل إلى الخمر، والميل إلى النساء ونحو ذلك عن آبائهم، وظلت هذه الجذور الموروثة كامنة فيهم مدة صباهم، حتى إذا دخلوا في دور الشباب تحركت هذه الميول بقوة وشدة، فظهرت فيهم مرعبة مزعجة.

كما أن كثيرا من الظروف السيئة تحيط بالشاب الطيب فتلتهم ميوله الطيبة، وتهدم آماله وطموحه، وتستأصل شعوره بالشرف والنبل، وتجعل على عقله غشاوة فلا يستطيع التفكير، وتجعل كل طموحه وكل أمله وكل تفكيره في شهوات وضيعة، وكل يوم تقوم لنا البراهين العدة على هذا.

فمن هذه الظروف «الصداقة السيئة»؛ فقد يكون الشاب طاهرا نقيا، فما هو إلا أن يصاب بصديق يفتح له حديث الشر، ويحيي فيه كوامن شهواته، ويقص عليه مغامراته ومغامرات أمثاله في النساء وفي الشراب، ويستدرجه من سيجارة يدخنها، إلى كأس يشربها، إلى ما هو أسوأ من ذلك، فإذا رأسه مشتعل بالشر، وإذا هو يطلق كل ما اعتنقه من مبادئ الخير، وإذا هو لا يصلح لجد ولا لدراسة، وإذ هو لا يصلح إلا لضروب الشر.

ومثل هذه الصداقة، صداقة الكتب والمجلات والجرائد التي من هذا النوع؛ فهناك أنواع من الأدب مضلة مغوية، وكم من الشباب اتخذوا مثلهم العليا من روايات السينما الداعرة الفاتكة بالعقول، الممثلة للجرائم واللصوصية، المحركة لأسفل أنواع الشهوة، وكذلك الكتب والمجلات والصحف والصور التي من هذا القبيل.

ومما نأسف له أن هذا النظر وهذا القول يعد عند بعض الشبان من أخلاقية القرون الوسطى، لا يصح أن ينطبق على عصرهم وزمنهم، والواقع أن التجارب التي أجريت والحريات التي منحت في هذا الباب دلت على صحة أخلاقية القرون الوسطى، وأصبح المعاصرون من كتاب أرقى الأمم الممدنة يخشون من تهور الشباب في هذا الباب، وأصبحوا في فزع مما يرونه من المآسي التي يرتكبها الشاب باسم الحرية.

كيف يبني الشاب نفسه

والآن نتساءل: ماذا يجب أن يكون الشاب، وكيف الوصول إلى ما يجب؟

أول واجب على الشاب أن يبني نفسه، فينظر في ملكاته واستعداداته، ويكون منها نفسه على أحسن وضع يمكن أن تكون عليه المواد الأولية، والناس كلهم مختلفون في كمية الملكات والاستعدادات وكيفياتها، ولكن كل كمية وكيفية يمكن أن يصاغ منها إنسان جيد في ناحية من النواحي، له شخصية ممتازة نوع امتياز، وليس يفسد هذا العمل إلا عدم القدرة على البناء، أو عدم الاهتداء لخير الأشكال.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٦٩