تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يجب أن يبني نفسه جسميا وعقليا وخلقيا، فيرسم له مثلا أعلى محدودا في كل ناحية من هذه النواحي، ويرسم خطة السير للوصول إلى هذه الغاية، ولا يترك نفسه سهلا كالسفينة بلا قائد تتقاذفها الأمواج وتدفعها الرياح كما تهوي؛ ولا يتسنى له ذلك إلا إذا امتلأ عقيدة بخير هذا المثل ومناسبته له، وقد دلت التجارب على أن القلب لا العقل هو الذي يبني الإنسان ويكتب تاريخه، ويحدد مقدار نجاحه، فلا خير في عقل كبير لا قلب معه؛ وتاريخ الإنسانية يشهد أن خدمة القلوب الكبيرة لها أقوى من خدمة العقول الكبيرة.

وأهم ما يدعو إليه القلب ويتطلبه من الشاب أن يكون «رجلا»، والرجولة وصف جامع لكثير من الصفات المحمودة؛ أهمها: الجد في العمل، والشجاعة في مواجهة الصعاب، والحرص على المبادئ، وهذه الصفة نحن الشرقيين أحوج ما نكون إليها الآن، وأحق صفة لكثرة الكلام فيها؛ لأني أرى في الشباب ميلا إلى الانحدار والتحلل من الواجبات، وعدم الاكتراث بالمبادئ، والميوعة في السلوك، وهي كلها مظاهر لقلة «الرجولة» أو عدمها، وهي أكبر سبب فيما نرى من عدم نجاح الشبان في الأعمال الحرة وتهافتهم على وظائف الحكومة؛ لأن طلب العيش في الحكومة سهل يسير، أما العمل الحر فيتطلب جدا فائقا، ونشاطا كبيرا، وعملا شاقا في زمن طويل، وإعمال العقل في الابتكار والتفكير في وسائل النجاح، فإذا لم يكن الشاب مسلحا بكل هذه الخصال فشل فشلا تاما.

لماذا يفشل الشاب

ولعل من أكبر أسباب هذا الفشل وعدم هذا الخلق - خلق الرجولة - أن الآباء لم يتعودوا عندنا أن يزجوا بأبنائهم الشبان في معترك الحياة ويحملوهم عبء أنفسهم، بل يفتحون لهم صدورهم وبيوتهم وجيوبهم حتى بعد أن يتخرجوا من المدارس العالية، ويتركونهم في البيت يأكلون ويشربون وينامون وينعمون، وكل عملهم السعي في دواوين الحكومة لعلهم يجدون لهم «وظيفة».

ولم يعتد الآباء فينا هذه العادة الجيدة التي اعتادها الغربيون، وهي أنهم منذ تعليمهم يطلبون منهم أن يصطدموا بالحياة، ويلجئونهم أن يجدوا لهم عملا، وأن يبحثوا لهم عن قوت، وأنهم وقد أعانوهم على إتمام دروسهم قد أنهوا الواجب عليهم، فوجب على الشاب أن يحمل عبء نفسه، ويتعلم أن يعوم في الحياة كما يعوم في البحر، وأن يكافح الأمواج ويحارب الصعاب، ويبذل جهده حتى يجد قوته.

فهذا هو ما يبني الشاب حقا، ويستخرج منه الرجولة، أما طريقتنا التي نسير عليها فلا نتيجة لها إلا ما نشاهد من ميوعة وتسكع على أبواب المصالح الحكومية، ومبلغ قليل يكسبه من عرق جبينه وبجده وباعتماده على نفسه خير في تكوين خلقه من عشرة أمثاله يحصلها من وظيفة حكومية أو من إعانة من والديه.

إن الشاب يحب الوظيفة لأنها عمل ميكانيكي محض، عمل راتب كعمل الآلة يعقب رزقا محدودا يقبضه آخر الشهر، وأشجع منه وأكبر رجولة من يغامر ويستخرج رزقه من فم الأسد؛ فالأول تسلمه الوظيفة إلى الخنوع والاستسلام والتواكل وعدم الثقة بالنفس، على حين أن جد الآخر ومشقته في تحصيل العيش يكسبه شجاعة وجرأة وطموحا واحتمالا للصعاب.

وللوصول إلى هذا يجب أن يكون الشاب - دائما - باسما للحياة، متفائلا لا متشائما، آملا في النجاح؛ فاليأس يستلزم الفشل والخيبة، ويسمم الحياة كما يسمم «المكروب» الماء.

وأخيرا على الشاب أن يمتلئ شعورا بأنه مكلف أن يفعل ما يستطيع لتصحيح الخطأ الذي يقع فيه الناس من جرائم وشرور، فلا يكون في حياته أنانيا بحتا لا ينظر إلا إلى نفسه، بل هو مطالب بعد أن يبني نفسه أن يشترك في بناء أمته، وفي بناء الإنسانية عامة، على قدر جهده وكفاياته، بخلقه وبعلمه وبماله وجاهه.

على الشباب أن يكونوا قوة فاعلة دائمة في حياة أمتهم، ويجب أن يتحملوا في الحياة أكبر عبء؛ لأن حيويتهم في الأمة أقوى حيوية، وهم المقياس الصحيح لرقي الأمة أو انحطاطها، فإذا أردت أن تعرف هل ارتقت أمة أو انحطت، وما مقدار هذا الرقي أو الانحطاط ، فاعرف الفرق بين شباب الأمة وشيوخها، فبمقدار تفوق الشبان على الشيوخ في العلم والخلق والصحة يكون الرقي، وبمقدار ضعفهم عن الشيوخ في ذلك يكون الانحطاط.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٧٠