وهكذا مئات من الحوادث تحكى وتعالج، ونحن لا نعنى بهذه الناحية أية عناية. (الثالث):
ما أشرت إليه من قبل، وهو أن هناك هوة سحيقة بين أولى الأمر والشبان، بين المعلمين والطلبة، وبين الآباء والشبان. ولست أقصد أن بين هؤلاء جفاء في المعاملة، وإنما أقصد أن الشاب لا يفتح نفسه لمعلمه وأبيه، والمعلم والأب لا يفتحان نفوسهما للشاب، فإذا تحدثوا جميعا فحديث عام يتصل بالدنيا العامة والدنيا التافهة، وبجوار ذلك خزانة مغلقة يكتمها الشاب عن أستاذه وأبيه، وإنما يفتحها لخاصة أصدقائه؛ في هذه الخزانة حب وغرام، وفيها خطط سياسية، وفيها أزمات نفسية، وعلى الجملة، ففيها أخطر شيء في حياة الشاب، وهو لا يفتحها لمن هو أكثر منه تجربة، وأوفى منه عقلا، وأعرف منه بالأيام وأحداثها، لا يفتحها لعالم نفسي ولا لطبيب روحي، ولا لمعلم ولا أب، وإنما يفتحها لشاب مثله لم تعركه الأيام، ولم تعلمه الحوادث، فيشير عليه بالرأي الفاشل والفكرة الصبيانية.
وتبعة هذا الجفاء، ووجود هذه الهوة، لا تقع على الشباب وحدهم، بل لا بد أن يتقدم الآباء والأساتذة والمعلمون خطوات في ذلك، ويشعروا الشبان أنهم يقدرون ظروفهم وحدة شبابهم، وأنهم لهم ناصحون لا مسيطرون، وأنهم يسوسونهم سياسة الطبيب لمريضه، لا سياسة الضابط لجنوده.
وبعد، فلا بد من إيجاد هذه الأنواع الثلاثة من العلاج، والإسراع بها، وإلا استفحل الداء وعز الدواء .
الفصل الثامن والأربعون
| حديث إلى الشباب
تفضلت «مجلة الهلال» فطلبت إلي أن أتحدث هذا الشهر إلى «الشباب»، فرحبت بهذا الطلب؛ لأن الحديث مع الشباب وعن الشباب وإلى الشباب، حبيب إلى النفس قريب إلى القلب، وكيف لا يكون كذلك وهم - كما قال أبو العتاهية - رائحة الجنة، وأيامهم خير أيام الحياة، وهي أكبر مظاهر القوة، وأكبر مظاهر الإنسانية، وهي في الأيام كالربيع في الزمان، تغنى بها الشعراء يوم كانوا ينعمون بها، وبكوا عليها يوم حرموا منها، فالشباب كان شغلهم الشاغل إذا وجد وإذا فقد، وما أكثروا من القول في الحزن على الشيب إلا لأنهم أعظموا الشباب.
ثم أين حكمة الشيوخ من قوة الشباب، فلطالما كانت الحكمة معوقة عن العمل، بما ملئت من حذر، ومن دعوى بعد النظر، بل وما الحكمة التي زعموها إلا وليدة الشباب وبفضل الشباب، فلولا حركة الشباب الدائمة، وإقدامهم في شجاعة على الخطأ والصواب، ما كانت حكمة ولا تجارب، ولا مران ولا شيء مما يدعي المحنكون.
والحق أن لا شيء في الشيوخ يعوض ما للشبان من لمعان في عيونهم، وقوة في عضلهم، ويقظة في عقلهم، ويقين في قلبهم، ليسوا بالأطفال يصعدون ولا بالشيوخ ينحدرون، وإنما هم في الذروة التي ليس بعدها غاية؛ هم حجر الزاوية وواسطة العقد في الأمة.
طريق المستقبل
في سن الشباب «ينعقد» الإنسان ويتحدد قالبه، ويكتب بنفسه قضاءه وقدره، ويرسم خطة نجاحه وفشله، وليس له بعد الشباب إلا تنفيذ ما رسم، واستقبال ما قضى وقدر، فإن حدث شيء غير عادي فبفعل الظروف لا بفعله.
وعلى الجملة، فحياته بعد شبابه هي حركة «القصور الذاتي»، واستمرار في دفعة الشباب، وإذا كتب لكل إنسان تاريخ فكتب الناس متشابهة في أن أهم فصولها فصول شبابه، وليس بعد «فصل» الشباب إلا فصل «النتيجة»، وهل بعد صب العجين في القالب إلا التصلب؟ أو هل بعد استكمال المقدمات إلا النتائج أو بعد انتهاء الفصول إلا الخاتمة، أو بعد انتهاء المهندس من رسم البناء والموافقة عليه إلا التنفيذ؟
ولكن - وا أسفاه - يخطئ كثير من الشباب فصب نفسه في قالب غير القالب الذي يناسبه، أو يؤلف كتاب تاريخه على غير ما خلق له، أو يرسم هندسة بنائه ومساحة نفسه التي يقيم عليها البناء لا قوائم شكل البناء، فيخرج معيبا مشوها، فكثير من رجال الأعمال أضاعوا شبابهم في دراسة نظرية بحتة، وكثير ممن حسن استعدادهم للفلسفة والنظريات البحتة أضاعوا شبابهم في عمل يدوي، ففقدت الأمة نبوغ هؤلاء وهؤلاء جميعا، وكنا كأننا في مصنع يكنس أرضه المهندس، ويهندس آلاته الكناس، ويقوم بكل عمل فيه من لا يحسنه؛ وهذا أكبر سبب في ضياع الشبان وفساد الأعمال.