ولدينا مشكلة الشباب العاطل، وقد اقتصرنا فيها على النصح للشبان أن ينزلوا ميادين العمل، ولكن لم نبحث جديا سبب العطل من الناحية النفسية، ومن الناحية الاجتماعية، ومن الناحية الخلقية، وكيف يمكن التغلب على البطالة.
ثم الشبان أنفسهم واقعون في أشد الأزمات ينشدون مثلا أعلى غامضا غير محدود، ويسلكون لهذا الغامض مسالك غاضمة، فلو سألت أكثر الشبان عن حالهم وجدتهم ساخطين، ثم إذا سألتهم عن سبب سخطهم لم يجيبوا إجابة صريحة واضحة، فهم يضطربون بين ما هم عليه وهو لا يرضيهم، وبين أملهم في الحياة وهو بعيد عنهم، وهم يضطربون بين قديم رأوا عليه آباءهم وطالبوهم به وحديث يرونه في السينما وفي الطبقات العالية وفي الجالية الأوربية، وهم يضطربون بين علم وسياسة، وحب وواجب، وإرضاء أهل وإرضاء أصدقاء، وكل ما فعلناه أننا تركناهم في أزماتهم يحلونها بأنفسهم من غير أن نقدم إليهم أية عناية، وقد عودهم الآباء والمعلمون والقادة ألا يصارحوهم، فلا الشاب يجد من هؤلاء رحابة صدر في أن يبثه آلامه، ويفتح له قلبه، ويشرح له أزماتهن، ولا الآباء والمعلمون شجعوهم على مثل هذا، فكان من ذلك حاجز متين بين الابن وأبيه، والطالب ومربيه، فحمل عبئه وحده، من غير أن يسعفه من هو أكثر منه تجربة؛ ولذلك كثرت الضحايا؛ لأن الأزمات فوق مقدور الشبان، وهم وحدهم الذين يحاولون حلها بأنفسهم أو بأمثالهم من أصدقائهم. •••
لا يمكن أن نتقدم في فهم مشاكل الشباب ووضع العلاج الصحيح لها إلا بأمور ثلاثة: (الأول):
توافر جماعة من الإخصائيين في علمي النفس والاجتماع على دراسة نفسية الشباب وبيئاتهم دراسة علمية عميقة تمتحن فيها الأعراض، ويرجع فيها إلى الأسباب، وتمتحن التجارب ويوضع فيها العلاج على أسس هذه الدراسة، وما لم نفعل هذا فكل علاج نضعه يكون سطحيا، ويكون شأنه شأن طبيب متسرع يكتفي بالمظهر الخارجي، ويكتب تذكرته بناء على ذلك، فيكون المريض عرضة لخطر كبير.
ونحن إلى الآن لم نكون علماء من هذه الناحية، فعندنا علماء نفس واجتماع، ولكنهم عالمون بما في الكتب من نظريات، وقد يكون لهم فيها آراء، ولكن الذي أتمناه درجة وراء هذا، وهو علماء قد درسوا هذه النظريات، ثم كان لهم معمل لتطبيق هذه النظريات على أطفالنا وشبابنا، يمتحنون ويجربون، ويرصدون النتائج ويضعون الإحصائيات، ولهم رأي شخصي بعد كل ذلك في حالتنا نحن ووسطنا نحن، لا في الحالات الأوربية والأوساط الأوربية، وإلى أن يكون هذا نظل متخبطين في طرق العلاج، نكتفي بموضوعات إنشائية ونصائح أدبية ووصفات أشبه ما تكون بالوصفات البلدية. (الثاني):
وجود عيادات للأزمات النفسية تشبه عيادات أطباء الجسم، يشرف عليها إخصائيون في النفس والاجتماع، فقيمة النفس ليست أقل من قيمة الجسم، وأمراض النفس قد تصل إلى حد أخطر من أمراض الجسم، والشبان في هذا الطور محتاجون أشد الاحتياج إلى خبراء يعرفون سر أزماتهم وكيفية دوائهم.
وقد عنى بعض الإخصائيين في أوربا بهذه الناحية، وقصوا علينا حوادث كثيرة أنقذوا بها الشبان من مشاكل بعرضهم عليهم أنفسهم، حتى في حالات يصح أن نعدها نحن حالات ترف؛ قال أحدهم: جاءتني فتاة تستشيرني، وقالت إن أمها محبة للفنون الجميلة من موسيقى وتصوير، وهي تقضي كل أوقات فراغها في ذلك، وأباها رجل عمل يصرف أوقاته في إدارة متجره وأعماله، وزادت الفتاة أنها ورثت عن أمها حب الموسيقى، وورثت من أبيها حب إدارة العمل، وهي مضطربة أشد الاضطراب بين الوراثتين؛ فهي يوما تحب أن تلبث في بيتها تعزف على آلات الموسيقى، ويوما تكره ذلك كل الكره وتريد أن تخرج تدير عملا اجتماعيا، فهي لا تستقر على حال؛ فامتحن هذا الإخصائي أي ميليها أقوى ووصف لها علاجها.