تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نعم، إن للوراثة دخلا كبيرا في إعداد الطفل وتحديد مواهبه، ولكن عملها كعمل الطبيعة في إعداد الذهب، ثم يصوغها الصائغ كما شاء، وليس يستعصي على المربي شيء إلا لجهله ببعض قوانين من يربيه.

وإذا ثبت ذلك فالتربية التي لا يكون أساسها معرفة قوانين النفس مقضي عليها بالفشل كتربيتنا نحن لأولادنا؛ فالأبوان يربيانهم تبعا لتقاليد توارثاها لا حسب قواعد تعلماها، إذا كانت التربية حسبما اتفق خرج الطفل أيضا حسبما اتفق، وأهم فارق بين الطفل الشرقي والطفل الأوربي أن الثاني دخل العلم إلى حد كبير في تربيته، فأصلح من جسمه ومن نفسه، ولم يدخل العلم في تربية الأول إلا بقدر قليل.

بالأمس كنت أقرأ حكاية لطيفة تدل على هذه العناية، ذهبت أم إنجليزية إلى طبيب وعالم من علماء النفس، وقصت عليه أن ابنها، وهو في الثامنة من عمره، أذكى طفل في الفصل في مدرسته، وخير ولد في بيته، ولكن إذا جن الليل صرخ وبكى، وإذا نام قام فزعا، ومشى وهو نائم وترنح في مشيته، وتخيل أنه يسقط على الأرض فيصرخ، وتحاول أن تفهمه أنه نائم في سريره فلا تفلح، وإذا حكت له في نهاره ما كان منه في ليله ضحك واستغرب، ولكنه يعود في ليله إلى هذه الحالة المفزعة!

فحصه الطبيب النفسي فوجد جسمه سليما من كل مرض، وصحته على أحسن حال، ومنظره في غاية الجمال، ففكر ثم فكر، ثم سأل الأم: من الذي ربى الولد في صغره، ومن كان ينيمه؟ فقالت إنها كانت تسافر مع أبي الطفل وتتركه عند جدته، فسأل الجدة: كيف كانت تنيمه؟ قالت كانت تغنيه أغنية معروفة سمعها، فوجد فيها عنفا وفيها ريحا عاصفة تهز الأرجوحة، وقالت إنها كانت تخبط على الأرض برجلها وقت الغناء لينام، فعلم الطبيب أن هذا هو السبب في فزع الطفل ليلا، وعالجه بأن تغنيه وقت النوم أغنية لطيفة عذبة سارة، وتكررها في لطف ورقة حتى ينام، وقد نجح الطبيب في ذلك، فذهب عن الطفل الخوف، ونام في طمأنينة وأمن.

وكم مثل هذه الحالات تعرض لأطفالنا ولا نعيرها التفاتا؛ لأننا لا نؤمن أن لكل شيء سببا يمكن أن يعلم.

كذلك الشأن في شبابنا، كل ظاهرة نستحسنها أو نستهجنها فيهم لها سبب نفسي يجب أن ندرسه، والنصائح وحدها لا تغني؛ لأن الأسباب إذا ظلت باقية نتجت عنها هذه الظواهر لا محالة رغم النصائح والإرشادات، ويكون مثلنا مثل من يحارب الجيش الغازي بالدعوات، أو الأمراض الفتاكة بالرقي والتعويذات، إنما ننجح يوم نحلل هذه الظواهر إلى عواملها الأولية وأسبابها الخفية، ثم نضع العلاج لكل منها بما يناسبه.

ومن غريب الأمر أن من أكبر مشاكلنا مشكلة الشباب، ومع هذا لا نجد بحثا علميا عميقا وضع في هذه المشكلة، إنما نقتصر على شيئين: الشكوى والنصائح، وهما لا يغنيان، يشكو الأب في بيته من الشباب، ويشكو المدرس في مدرسته من الشباب، وتشكو الجامعات من الشباب، ويشكو أصحاب الأعمال وأرباب الأموال من الشباب، وتشكو الأمة كأمة من الشباب؛ وتتعدد الشكاوي وتتنوع، ولكن لا تبحث، ولا تلمس الوقائع، ولا يستفيض الحديث ويكتفي بالنصح.

فأمامنا الآن مشكلة الحب ؛ هل يسمح للشاب أن يحب؟ وهل في الإمكان نفسيا واجتماعيا ألا يحب؟ وما الحدود التي يجب أن تحد في الحب؟ وما طرق الوقاية من الغلو فيه؟ لا شيء عندنا من البحوث في ذلك إلا شكوى الآباء والأمهات ورجال الدين والأخلاق، إنما نريد بحوثا صريحة جريئة تحلل فيها الحالة النفسية للشبان، والحالة الاجتماعية للأمة، ثم يوضع العلاج بعد ذلك لا قبله.

ولدينا مشكلة السياسة والشبان؛ هل من الواجب أن يشتغل الشبان بالسياسة؟ وإلى أي حد؟ وهل يتصلون بالأحزاب أو لا يتصلون؟ وهل يتعارض واجبهم العلمي والواجب السياسي؟ وإذا تعارضا فما الموقف؟

مسائل نواجهها كل يوم ولا باحث، وإنما الأمر فوضى من جميع النواحي، ترك الأمر فيها للشبان يفعلون ما يشاءون من غير بحث، وكل ما يفعله الكتاب والأدباء هو الملق، فالشبان بنوا، والشبان أسسوا، والشبان هم عماد الأمة، ونحو ذلك من الألفاظ المعسولة، وهذا حق إلى حد ما، ولكن هناك نغمة أخرى يجب أن توقع بجانب النغمة الأولى حتى يتم التوازن، وهي نغمة إشعارهم بالواجب، وذلك لا يكون إلا بعد بحث عميق ومصارحة الشبان بالحقائق في غير مواربة ولا مجاملة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٦٦