ومن عهد محمد علي إلى الآن والحرب مستعرة بين الاتجاهين، وهي حرب هادئة أحيانا، عنيفة أحيانا، تظهر في الآداب بين دعاة القديم ودعاة الجديد، وتظهر في الدين فيقوم لها الرأي العام ويقعد؛ كالثورات التي قامت على السيد جمال الدين ومحمد عبده وعلي عبد الرازق وطه حسين، وتظهر في التقنين؛ كالثورات التي قامت من قديم حول المحاكم الشرعية وتنظيمها واختصاصها. •••
وهنا يجب أن نتساءل: هل من مصلحة مصر والشرق عامة أن يظل فيها هذان الاتجاهان، أو أن تخنق القديم وتعيش بالجديد وحده؟
لقد سارت تركيا على المنهج الثاني، فأبادت القديم ولم تحفل به، ولم تعبأ برجال الدين، ولا برجال الأدب القديم، ولا بحروفها القديمة، ولا بزيها القديم، ولا بقوانينها القديمة، وعلى الجملة، فقد أرادت أن تقضي على القديم في كل شيء، وعزمت أن تسير بالأمة نحو الجديد البحت، وبدل أن يكون مثلها الأعلى مشتقا من الاتجاهين أرادت أن يكون مثلها الأعلى مقتبسا من أوربا وحدها، ونزعاتها وحدها، فهل من مصلحة الشرق أن ينهج هذا المنهج؟
أظن أن الجواب بالسلب، وأن من مصلحة الشرق بقاء الاتجاهين معا؛ ذلك أن في القديم ثروة لا تقدر، وفي الجديد ثروة لا تقدر، كما أن في كل من القديم والجديد بذورا سامة يجب إعدامها، كما أن في أجسامنا وألواننا وعقولنا نتيجة وراثتنا وبيئتنا، وهي تختلف عن القديم البحت والجديد البحت، فيجب أن يكون غذاؤنا منهما معا.
أهم واجب على قادة الرأي عملية «التنقية»؛ تنقية القديم لنعرف خيره وشره، وتنقية الجديد لنعرف خيره وشره.
ولكن يجب أن يسير المجددون أمام الجمع، وخلفهم أنصار القديم، ويجب ألا يخف المجددون خفة تدعو إلى التهور، وألا يثقل أنصار القديم ثقلا يعوق المجددين عن السير.
ثم إن أنصار القديم لا يصح أن يستمروا على نمطهم القديم بحال من الأحوال، فهم مكلفون كل التكليف أن يعرضوا قديمهم في شكل جديد؛ فالأدب القديم لا بد أن يعرض عرضا جديدا، وأؤكد أن انصراف الناس عن الأدب العربي والعلم العربي والدين، أكبر سبب له سوء العرض، فتذوق الناس الآن غير تذوقهم فيما مضى، قد كان الناس يتذوقون طريقة «الأغاني» في ترجمة امرئ القيس، فأصبحوا لا يتذوقونها ويودون عرضا جديدا، يتفنن فيه كما يتفنن في عرض الثياب في مخازن البيع، وكان الناس يتذوقون كتب الفقه على نمط حاشية ابن عابدين، فأصبحوا يمجونها، وأسلوب كتب الدين القديمة لا تجاري أذواق الناس في العصر الحاضر، فيجب أن يدخل التجديد في القديم، وهذا ما فعلته كل الأمم في تراثها، كما يجب أن يلون جديد الأوربيين عند نقله إلينا بما لنا من منطق خاص، وأسلوب في التفكير خاص.
إنا إن فعلنا ذلك نلنا الحسنيين، وأخذنا خير ما في الذخيرتين، ووصلنا إلى الغرض من غير ثورة، وأدركنا الغاية في غير عنف.
الفصل السابع والأربعون
| مشاكل الشباب وكيف تعالج
من أكبر مظاهر المدنية الحديثة عنايتها بمظاهر الطبيعة، وتحليلها ودرسها درسا عميقا، ومعالجتها على أسس علمية؛ سواء في ذلك طبيعة الكون وطبيعة المجتمع وطبيعة الإنسان، فهي تؤمن إيمانا قويا بنظرية «الأسباب»، فمهما حدث في الكون فلا بد له من سبب معقول، ولا يحدث شيء ولا تتحرك ذرة ولا تسكن ولا تسقط ورقة من أوراق الشجر ولا يهب نسيم ولا تموج موجة، إلا بسبب، وغاية الأمر أن بعض الأسباب عرفناها وفهمناها، وبعضها لم نعرفها ولم نفهمها، ونحن سائرون إلى معرفتها وفهمها.
ومما اتجهوا له اتجاها بديعا نفسية الأطفال ونفسية الشبان؛ فالإنسان ككل كائنات العالم لا ينفعل ولا يتأثر ولا يؤثر إلا بسبب، وهذا السبب يمكن فهمه إذا دققنا النظر ودرسنا الإنسان على أنه جزء من طبيعة الكون، خاضع لقوانينها، سائر على مناهجها.
إذا بكى الطفل فلا بد من سبب لبكائه، وإذا مرض فلا بد من سبب لمرضه، وكذلك إذا انفعل أي انفعال، أو ساء سلوكه أو حسن، وإذا صدق أو كذب، وإذا كان هادئا رزينا، وإذا كان مرحا لعوبا، فعالم النفس يستطيع أن يعلل ذلك تعليلا معقولا، وإذا كان كذلك أمكن تربية الطفل على هذا المنهج الدقيق؛ فإن أنت أسلمت طفلا لعالم ماهر في دراسة النفوس، وقلت إني أريده على نمط كذا، أمكنه أن يخرجه لك كما تريده، كما يستطيع الصائغ أن يخرج لك السبيكة من الذهب على النحو الذي تريده، وإذا هو لم ينجح في ذلك كل النجاح فلأنه لم يبلغ من الخبرة مبلغ الصائغ؛ ولأن علم النفس لم يتقدم تقدم فن الصياغة.