وإن وجه نقد إلى هذه الحركة فهي أنها لم تؤد كل ما كان ينتظر منها، فقد أرسل إلى أوربا الألوف من المصريين، وعادوا بعد أن أتموا دراستهم، ونالوا أكبر الشهادات، ومع ذلك لم يكن مجهودهم في تنظيم الأعمال، وإدخال الأساليب الحديثة، ونقل المؤلفات القيمة يتفق وعددهم؛ فحركتهم في الترجمة حركة ضعيفة غير منظمة، وحسبك دليلا على هذا أنه لم يقم من المصريين بعد رفاعة (باشا) ومدرسته من يسد مسده أو يغني غناءه، ولو سار من أتى بعده على نهجه لما رأيت كتابا هاما أوربيا في مختلف العلوم والفنون لم يترجم إلى العربية، وهكذا قل في تنظيم الأعمال، وليس يصح أن تلقي كل المسئولية على عاتقهم، فبعضها يرجع إلى أن الاحتلال الإنجليزي لم يكن يشجع على هذه النهضة، بل كان يعمل على إعاقتها.
وأيا ما كان فهو اتجاه علمي أدى بعض واجبه، وخدم الحركة العلمية خدمة لا تنكر. (2)
وكان يقابل هذا الاتجاه ويكمله حركة أخرى ترمي إلى بعث الأدب القديم، وقد بدأ هذه الحركة المستشرقون، فبذلوا جهدا كبيرا في جمع الكتب القيمة في مكاتب، كما بدأوا في نشر أهمها، ثم قلدتهم مصر في هذا العمل، فبدأت مطبعة بولاق في عهد محمد علي تنشر الكتب العربية القديمة، ثم تأسست المطابع الأهلية تنشر ما لا يحصى من الكتب.
وهي مع كثرة ما تخرجه مقصرة عما يخرجه المستشرقون؛ لا من ناحية العدد، بل من ناحية المنهج؛ ذلك أن أكثر ما يطبع في مصر من الكتب القديمة ينشره التجار، أما في أوربا فينشره العلماء، وفرق كبير بين منهج العالم ومنهج التاجر؛ فالعالم الأوربي إذا نشر كتابا رجع إلى أهم النسخ الموجودة في العالم وقابل بعضها ببعض، وتحرى الأمانة في الأصل، وبذل الجهد في المراجعة، ثم فهرس الكتاب بأعلامه وبلدانه، ونحن - إلى اليوم - لم نبلغ هذا المبلغ في إخراجنا إلا في القليل النادر.
وألاحظ في هذا الاتجاه أن حركة النشر زادت في مصر وغيرها من البلدان العربية بقدر ما نقصت بين المستشرقين، وهي حالة تغتبط بها لو أضيف إليها العناية بالنشر. •••
وقد أصبح لنا من هاتين الحركتين ثروة واسعة من الأدب الغربي والعلم الغربي، وثروة واسعة من الأدب العربي والعلم العربي، ونشأ عنهما، وإن شئت فقل إنهما كانا رمزا لتيارين مختلفين.
وهذان التياران المتحاذيان أحيانا، المتعاكسان أحيانا، قسما الناس في مصر إلى أقسام، ووجهاهم وجهات مختلفة، وطبعاهم بطوابع متباينة؛ منهم المغالي ومنهم المعتدل، منهم من لم يلتفت إلى التيار الآخر أي التفات، ومنهم من اغترف منه غرفة بيده، فنشأ من ذلك تبلبل في الألسنة، واختلاف في الأفكار والآراء، وتنازع في مناهج البحث وطرق التفكير.
هذان التياران يتنازعان الشعراء والكتاب والمؤلفين، ويتنازعان مناهج التعليم، وطرق التفكير، وكل مظهر من مظاهر الحركة العلمية.
فمن الشعراء من مثله الأعلى امرؤ القيس أو بشار أو أبو نواس، ومنهم من مثله الأعلى شكسبير أو جوته.
ومن الكتاب من مثله الأعلى ابن المقفع أو الجاحظ أو الحريري، ومنهم من مثله فيكتور هوجو أو فولتير أو نحوهما.
بل مناهج التعليم في مصر مضطربة بين التيارين؛ فهي تعلم النحو والبلاغة على نمط سيبويه والسكاكي ونحوهما، وإن اختلفت عنهما ففي الأمثلة ووضوح العبارة، وتعلم الطبيعة والكيمياء والجغرافية على نمط الكتب الإفرنجية.
ومن المقننين من يرى خير مثل هو القانون الفرنسي أو الألماني أو السويسري، ومنهم من يراه الشريعة الإسلامية.
ويمثل هذين التيارين الجامعة المصرية، ومثلها الأعلى التعليم الأوربي، والجامعة الأزهرية، ومثلها الأعلى الآداب والعلوم الإسلامية، على أن الجامعة الأزهرية بذلت بعض المحاولات في إدخال عناصر التجديد.
وهذان الاتجاهان في الشرق؛ وخاصة مصر، أوضح منهما في الغرب؛ نعم، إن في الغرب محافظين وأحرارا، ولكنهما معا يدوران حول مبادئ واحدة كل فريق يرى فيها رأيا، أما في الشرق فالآراء متعاكسة، وموضوعات الاتجاهين ليست واحدة؛ ذلك أن الغرب قد نظر طويلا في التراث القديم وصفى مركزه فيه، وأخذ منه ما يستحق الأخذ، وسار به على النهج الجديد، ولم تبق للقديم دراسة إلا للتخصص فيه على أنه أثر من الآثار.