أما الناحية الثالثة، وهي مكافحة المرض، فإنا - من غير شك - نرحب بما قامت به المرأة المصرية في مكافحة الملاريا، ومكافحة السل، والتمريض في المستشفيات، ولكن لا يزال أمامهن فسيحا في هذا الباب؛ وخصوصا من ناحية مرض الأطفال الذين لا يستطيع آباؤهم القيام بنفقات أمراضهم.
وليس من الحق اعتذارهن بقلة المال، فكما أن من واجبهن جمع المال من طريق التبرعات، كذلك من واجبهن مطالبة الحكومة بإنشاء ما يرين إنشاءه لمصلحة الأمة.
وبقيت مسألة أخيرة في رسالة المرأة:
وهي أنها الرسول الذي بعثته العناية الإلهية لنشر السعادة في المجتمع، وفي الحق أن ما لا يقل عن تسعين في المئة من سعادة الأمة يرجع إلى المرأة، وقد زرت أوربا مرتين زيارتين قصيرتين فتساءلت بعدهما ما الفرق بين الشرق والغرب؟ فكان الجواب كلمة واحدة: «المرأة».
تستطيع المرأة أن تكون سعادة الأسرة وسعادة المجتمعات، وبلسما لجراح الأمة، وأداة فعالة في بناء نهضتها.
المرأة هي مبعث حياة الأمة، فإذا قصرت فهي مبعث شقائها، هي مبعث الإصلاح السياسي والاجتماعي، هي روح الفن، هي التي تستطيع أن تجعل الرجال رجالا، وأن تجعل الأطفال أبناء الله لا أبناء الشيطان.
أتعلم المرأة لم خلقها الله؟ إنما خلقها لتخلق من الرجال عظماء.
الفصل السادس والأربعون
| نهضتنا الفكرية ما زالت صراعا بين القديم والجديد
إذا أردنا أن نجمع أسباب النهضة من عهد محمد علي إلى الآن في كلمة واحدة قلنا إنها: «اتصال الشرق بالغرب»، فكما انبعثت شرارة من الشرق إلى الغرب في القرون الوسطى سببت نهضة الغرب، رد الغرب ما اقترضه فبعث شرارة إلى الشرق ألهبت حماسته، وأشعلت غيرته، فبدأ يقلد الغرب في مناحي نشاطه، ويتبعه في اتجاهاته، حتى ليمكننا أن نلخص «منطق» قادة الفكر في الشرق في الجملة الآتية: «إن الغرب يفعل كذا فيجب أن نفعله، والغرب يترك كذا فيجب أن نتركه»، وكلما أريد وضع نظام أو سن قانون أو بدء بمشروع تساءلوا: ماذا تفعل أوربا في ذلك؟
وكان أسبق الأمم الشرقية إلى الاقتباس من أوربا «مصر»؛ لموقعها الجغرافي أولا، ولسبقها في العمل على الانفصال من سيادة الترك ثانيا، فأخذ محمد علي يحذو حذو أوربا في جميع مرافق الحياة، من علمية واقتصادية وحربية وسياسية وغير ذلك، وإذا كان موضوعنا النهضة العلمية فلنقتصر عليها.
استعدت مصر لأخذ هذا الدرس عن الغرب من عهد حملة نابليون على مصر، فكان في حملته علماء أعلام بجانب رجاله الحربيين؛ منهم الرياضي، ومنهم الطبيعي، ومنهم الأديب، ومنهم الاقتصادي، وقد احتك بهم بعض المصريين وشاهدوا آثارهم العلمية، وقرأوا ما ألفوا، ونظروا فيما جربوا، كما يحكي ذلك الجبرتي في تاريخه.
وجاء محمد علي والنفوس على استعداد ما للسير في هذا السبيل، واستكمال ما بدأوا به من قبل، فأراد محمد علي الحركة - التي كانت بطيئة - بقوة وعنف، وأدخل عليها النظام بعد أن كانت مهوشة مضطربة، وبعد أن كانت حركة الاقتباس مقصورة على فئة قليلة جدا من المتنورين عممها حتى وصلت إلى الجندي في الجيش والعامل في الحقل، ومن أبى منهم الاقتباس أجبره عليه، وأنفذه بسلطانه؛ فقد وضع «محمد علي» كل الأسس التي بنيت عليها الاتجاهات العلمية الحديثة؛ وأهمها أمران: (1)
إرسال البعثات للتعلم في أوربا؛ حتى يكونوا نواة لتعليم المصريين على النمط الأوربي، ولينقلوا إلى العربية أهم ما ألف في الغرب، فأرسل كثيرا من الشبان إلى فرنسا، وبعضهم إلى إنجلترا، واستمرت حركة البعثات إلى مختلف البلدان الأوربية إلى اليوم، وقد حققت - إلى حد ما - الغرض الذي أسست لأجله، فقد نشر المبعوثون بين أفراد الأمة تعاليم أوربا ومناهجها، وتسلموا أهم الأعمال في المصالح المختلفة، فكانوا منارا يتلقون ضياءهم من أوربا، ويعكسونه على مصر، كما قاموا بترجمة بعض الآثار الأوربية إلى اللغة العربية.