وفقر الشعب هو العقبة في سبيل كل إصلاح تعليمي أو اجتماعي أو سياسي، وإذا زال الفقر في أمة صلحت وتقدمت في جميع النواحي، بل المرضين الخطيرين في المجتمع؛ وهما الجهل والإجرام، كثيرا ما يكون سببهما الفقر، وأسباب الفقر هي أسباب انحطاط الإنسانية، والفقر قد يكون سببه من الفقير نفسه؛ لضعف كفايته العقلية والفنية والجسمية، وقد يكون سببه من الخارج؛ أعني سوء الحالة الاقتصادية في البلاد، ولا أطيل في هذا؛ فالموضوع طويل معقد أوسعه العلماء بحثا.
ولكن موضوعنا ماذا تستطيع المرأة أن تعمل في هذا الباب: من قديم والفقر يعالج بالإحسان، وفكرة الإحسان مبنية على أساس أن القادر يعين غير القادر، ومن رزقه الله بسطة في المال يعين من حرمه منه، وهذا هو الشائع إلى الآن؛ يرى الرجل فقيرا مسكينا أو امرأة مسكينا فيخرج من جيبه قرشا وينتهي الأمر، ولكن هذه النظرة إلى الإحسان تغيرت، وأهم تغير فيها ناحيتين؛ ناحية أن المسألة لم تعد مسألة إحسان، والفقير ليس فقيرا بالقدر، والغني ليس غنيا بالقدر، ولكنه سوء النظام الاجتماعي.
والفقير ليس يطلب إحسانا، ولكنه يطلب حقا له على الأمة وعلى الحكومة، هو يطلب أن يضمن له معيشة هي أقل ما يطلب لإنسان، له الحق أن تكفل له الحكومة مستوى من المعيشة لا ينزل عنه في مأكله وملبسه ومسكنه ومشربه، هو العيش الضروري الذي لا يصح أن يعيش أقل منه، فإذا لم تفعل الأمة والحكومة ذلك فقد اغتصبته حقه لا أنها منعت عنه الإحسان.
ولا بد أن تكونوا قد سمعتم بمشروع بيفردج وغيره من المشروعات، مما أسس على هذه النظرة، ومن أهم وسائل تحقيق ذلك الضرائب التصاعدية.
ومع هذا فالناحية الأخرى لم تنعدم، وهي ناحية الإحسان، ولكنه الإحسان المنظم لا الإحسان الفردي، وقد قطعت الأمم الحية شوطا كبيرا في تنظيم الإحسان، وأهمه نظام «همبرج» الذي وضع للفقراء والعاطلين، ومقتضاه تنظيم مكتب رئيسي في كل مدينة للنظر في شئون الفقراء، وتقسيم المدينة إلى أقسام، وتعيين مشرف أو مشرفة على الفقراء في كل قسم وظيفته درس أسباب الفقر في كل أسرة، وإعانة العاطلين على إيجاد عمل لهم، وإنشاء مدارس صناعية لأولاد الفقراء، ومستشفيات لمرضاهم، ومن أراد الإحسان فليحسن إلى هذه الجمعيات لا إلى الأفراد ... إلخ، وقد عمم هذا النظام في أوربا كلها، وأدخل عليه تعديلات كثيرة، وأهم ما عني به هذا النظام العناية بأولاد الفقراء أكثر مما عني بالفقراء الكبار؛ لأن في إصلاحهم القضاء على الداء من أساسه.
والمرأة العربية تستطيع أن تساهم في هذا الإحسان، فتنظمه وتقوم عليه، وقد قامت «فعلا» بقسط لا بأس به في هذا الباب، فدعت المرأة إلى التبرعات للمشروعات الخيرية الكثيرة، وساهمت في الإحسان تبرعا وجمعا، ولكن ألاحظ أنها أجادت في تنظيم الدعوة إلى التبرعات أكثر مما أجادت في تنظيم الإنفاق، وحبذا لو أنشئت جمعية نسائية نموذجية تشرف على فقراء حي من الأحياء البلدية، تكون مهمتها معالجة الفقر والبؤس، حتى إذا جربت ونجحت عممت في أنحاء القطر.
أما نصيب المرأة في مكافحة الجهل فلا يزال قليلا، وشأنهن في ذلك شأن الرجال، وقد وضعت الحكومة المصرية مشروعا لمكافحة الأمية لم ينفذ بعد، وهو تحت نظر وزارة الشئون الاجتماعية ونرجو - عند البدء في تنفيذه - أن تساهم المرأة المتعلمة فيه بنصيب كبير، فماذا يمنعها أن تتطوع لتعليم بنات الفقراء وبنات الشارع، ويتفق كل ثلاثة أو أكثر على فتح مكتب لتعليم الأميات، ويطلبن من وزارة الشئون إعداد المكان لهن، وإمدادهن بكل وسائل التعليم وأدواته، فيكون لهن فضل كبير في مكافحة الأمية.
ثم هن يستطعن تأليف جمعيات تجوب البلاد وتلقي المحاضرات في الشئون النسائية، وهذا - من غير شك - يكون عملا واسع الأثر لو قامت وزارة الشئون الاجتماعية بتوزيع الراديو على القرى، إلى غير ذلك من أعمال ثقافية في استطاعتهن القيام بها، فحتى الآن لم نجد مجلة نسائية تخاطب المرأة المصرية فيما يفيدها.