تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أكثر هؤلاء الملايين الستة يعيشون في بيوت الفلاحين القذرة الفقيرة التعيسة، وسط آباء وأمهات جهلة، يرضعونهم مع اللبن الأمراض والجهل والتخريف، ثم ليس في الأمة من يأخذ بيدهم أو يلتفت لحالهم، وجزء كبير من ميزانية الدولة يصرف فيما يعد ترفا بالنسبة لهذه الحال، وجزء كبير من مجهود المصلحين والعاملين إنما يذهب إلى العدد القليل من الأمة، وهو طبقة الأرستقراطية، فالأدب الذي ننشئه، والجرائد والمجلات التي نحررها، ونحو ذلك كله للطبقة الأرستقراطية ماليا أو علميا، والسواد الأعظم من الأمة متروك وشأنه للفقر والجهل والمرض، فلم يعمل شيء يذكر لهذه الملايين الستة الذين هم عماد الأمة في جيلها الآتي.

فلو وجهت الجمعيات النسائية جهدها إلى هذه الناحية لأتت بالخير الكثير، هي من غير شك لا تستطيع أن تقوم بإصلاح أطفال الفلاحين والصناع وحدها، ولكنها تستطيع مطالبة الرجال والحكومة بالعمل على مكافحة الأمية ورفع مستوى المعيشة، وصوتهن مسموع ما دام الرجال لا يصرخون من سوء هذه الحال.

بل إنهن يستطعن المساهمة في العمل - متى أسست الجمعيات لرعاية الأطفال - بالتطوع لتعليم الأطفال، وبإرشاد الأمهات الجاهلات في البيوت كيف يحافظن على صحة الطفل ويرعينه.

وأذكر أني قرأت مرة عن امرأة سوداء في أميركا، استطاعت أن تغير حالة السود بإنشاء جمعية من بني جنسها، كانت هي وجمعيتها تتنقل في قرى السود، فيدخلن القرى يعلمن أهلها كيف ترعى الصحة، وكيف ينظف المسكن، وكيف يرتب، ويقمن بالعمل في بيت من البيوت ليكون نموذجا، فهذا موضع للفراخ، وهذا موضع لكذا، وهذا موضع يمكن أن تنشأ فيه حديقة للمنزل، ويزرعنها فعلا، حتى إذا وضعن النموذج للقرية، انتقلن إلى غيرها، وهكذا.

هذا مثل من أمثلة السفور الحقيقي للعمل الحقيقي، إن الرجال لصوت النساء أسمع، والإصلاح على يدهن أسهل، فمتى اتجهن إلى هذه الجهة من الإصلاح خجل الرجال من أنفسهم، وضاعفوا جهودهم، ولبت الحكومة طلبهن أكثر مما تلبي طلبهم.

أليس من العار علينا أن أغلب فلاحينا - وهم السواد الأعظم - لا يجدون ماء صالحا للشرب، ولا الغذاء الضروري للقوت، ولا الكساء الضروري للملبس، في بلاد غنية كبلادنا؟! وفي هذا الوسط ينشأ الأطفال في الأسر، ومع هذا كله نفكر في توسيع شارع في القاهرة، أو غرس أشجار على جانبي الطريق، فيكون مثلنا مثل من عضه الجوع ومعه قرش فاشترى به وردة.

ما أقسى حالة الأطفال البائسين ممن يموت عائلهم ولا يترك لهم شيئا، وممن وقعوا في أسر أسر فقيرة، وممن أصيبوا بأب مجرم أو أم غير صالحة، أو ممن هدمت الأسرة عليهم بسبب الطلاق! فأين هي الحكومة، أو الجمعيات التي ترعاهم؟ وقد يكون من بينهم المجرم الذي يخسر الأمة خسارة لا تقدر بإجرامه، وقد يكون منهم النابغة الذي قد يسدي إلى الأمة من الخير ما لا يقدر.

ليس أمر هؤلاء مما يصح أن يترك، فعلى الحكومات أن تضع لهم من النظم والمال ما يكفل لهم العيشة الصالحة.

الأمر الثاني من «رسالة المرأة»:

المساهمة في الخدمة الاجتماعية، والمرأة في هذا الباب تستطيع بما منحتها الطبيعة من قوة في العاطفة وفضيلة الشفقة والرحمة والعطف وإصغاء الناس لهن أكثر مما يصغون للرجال، أن ينجحن فيه أكثر مما ينجح الرجال.

وأهم أبواب الخدمة الاجتماعية ثلاثة: مكافحة الفقر، ومكافحة الجهل، ومكافحة المرض.

والفقر في مصر عدو خطير يصيب أكثر أفراد الشعب، في كل قرية أفراد معدودون هم الذي يستطيعون أن يعيشوا بدخلهم، والباقون لا يجدون ما يأكلون وما يلبسون، ولا يغرنكم القصور الفخمة والبيوت الكبيرة، فهي كالشعرة البيضاء في الفرس السوداء، وبعض البلاد فقرها طبيعي؛ لقلة ما تنتج، وسوء البيئة الطبيعية حولها، ولكن مصر - ولله الحمد - ليس فقرها من طبيعتها، ولكن من سوء توزيع ثروتها من ناحية، ومن عدم الاستغلال الجيد من ناحية أخرى، ومن عدم صلاحية السكان لكسب العيش من ناحية ثالثة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٦١