تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه هي قصة المرأة الأوربية، وهي بعينها قصة المرأة العربية ، وإن كان جزء كبير من التقدم نشأ من العدوى أكثر من نشوئه من التطور الطبيعي للحياة الاجتماعية العربية.

ومما لا شك فيه أن تقدم المرأة في العشرين سنة الأخيرة كان تقدما عظيما، فأذكر أنه في سنة 1926 حين عينت مدرسا في كلية الآداب، لم أر مصرية واحدة تستمع لدرسي إلا بنات المرحوم الدكتور علي إبراهيم رامز، وكانت أمهن ألمانية، فتساءلت هل أعيش حتى أرى مصرية تحضر دروسي في الجامعة، وكان الأمر أسرع مما كنت أتوقع؛ فالفتيات المصريات يملأن الكليات، ويسابقن الشبان في ميدان العلم.

ولكن يؤخذ على حركة التقدم هذه أمران؛

الأول:

أنها تكاد تكون حياة محصورة في المدن لم تنتقل إلى المدن الأخرى والأرياف؛ ولذلك لا نستطيع أن نقول إن الحركة النسائية شاملة، بل وجد عندنا طبقتان متميزتان جدا؛ إحداهما في السماء والأخرى في الأرض، وليس كذلك الشأن في الأمم الراقية؛ فهناك تقارب في التفاهم بين نساء الشعب، ومقدار لا بد منه في الثقافة لكلهن، أما الشأن في الشرق؛ وخاصة في مصر، فنظام الطبقات واضح جدا: متعلمة جدا أو جاهلة جدا، ولا قدر من الثقافة إجباري عام، فمثله مثل الغني جدا بجانب الفقير جدا، والقصر الشاهق بجانب الكوخ الحقير.

ولا تكون الحركة النسائية صادقة حتى تكون عامة وإن اختلف مقدار الثقافة، ولست أبرئ الرجال من هذا العيب، فشأنهم في مصر كذلك: فيلسوف ومن لا يعرف أن يكتب اسمه.

والأمر الثاني:

الذي يؤخذ على حركة التقدم النسائي: شعورهن بالمظهر أكثر من الحقيقة، فليس السفور معناه كشف الوجه وغشيان دور السينما والتمثيل بمقدار ما معناه ألا يكون هناك فارق في العقلية، ولا فرق في العمل بين الرجل والمرأة، فإذا جالست المرأة الرجل فالند للند، وإذا ألقي العبء على المرأة بوفاة زوجها أو عائلها استطاعت أن تعمل وتكافح في الحياة، وقد يكون المثل الصادق للسفور الحق ما قامت به النساء المصريات في مكافحة الملاريا، وجمعية مكافحة السل، والمتبرعات للتمريض ونحو ذلك، على أنه مما يبشر بالخير ما نرى من تطور طبيعي نحو شعور المرأة بمسئوليتها، ونأتي إذن إلى النقطة الجوهرية، وهي مسئولية المرأة ورسالتها.

أول رسالة للمرأة:

عنايتها بالأسرة، والأسرة تقوم بوظائف عديدة اقتصادية وسياسية ودينية، ولكن أهم عمل لها أنها مربي للطفل، ففي الأسرة يأكل الطفل، ويلبس، ويسكن، ويحافظ عليه من الأحداث، ويتعلم دروس الحياة الأولى التي تلازمه طول حياته، وما الحياة خارج المنزل؛ في المدرسة أو المصنع أو المتجر أو الجامعة أو في الحياة العامة، بعد أن يمارسها إلا نتيجة للبذرة الأولى التي بذرتها الأم في البيت، فالأم في البيت ترسم في ذهن الطفل رسما ثابتا، المثل الذي سيتبعه في حياته، فإن عدلت الحياة العامة فيه ففي العرض لا في الجوهر.

فالإصلاح الحقيقي للأمة إصلاح المرأة، إصلاح الأم، فالألماني والفرنسي والإنجليزي والروسي ليس طابعه كما نرى إلا بأمه، وأكثر العيوب التي نراها في الأمة ترجع في الحقيقة إلى البيت؛ فخصامنا في الشارع، وفي المدرسة، وفي المجتمعات، صورة لخصام الأب والأم في البيت، وعدم ضبط العواطف في المعاملة صورة لعدم ضبط عواطف الأب والأم في البيت، والكذب في الخارج من الكذب في الداخل، وجبن الابن من جبن الأم، والأنانية المفرطة في الخارج من دروس الأنانية في البيت، وهكذا وهكذا، كثرة وفيات الأطفال وكثرة أمراضهم راجع إلى البيت، إلى الأم.

في مصر الآن نحو ستة ملايين من الأطفال بين سن 21، 15، وهذه السن عادة تكون ثلث السكان، فتصوروا حالهم إذا كان كثير من أسرهم مصابين بالجهل والفقر والمرض، كيف تكون حالتهم العقلية والخلقية والجسمية، وتصوروهم وقد صلحت حال أسرهم في الثقافة والقدرة المالية والصحة الجسمية، كيف يصبح هؤلاء الأطفال نواة جيل جديد خير ألف مرة من جيلنا؟!

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٦٠