تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واللباقة والأدب والظرف في المعاملة لا تكرهه الأخلاق، بل تدعو إليه الأخلاق، وهذه اللباقة غير الكذب وغير الملق، فقد يكون الإنسان صادقا ومع ذلك فهو مؤدب لبق، وقد يكون الإنسان صريحا غير متملق ومع ذلك مؤدب لبق، وعدم اللباقة قد يهدم الصداقة، وقد يسبب كثيرا من العداوة، وقد يسيء إلى السمعة، وكل ذلك يعرض للفشل، وليس المسئول هو الأخلاق الفاضلة، ترى هذا في التاجر والعالم والموظف والمحامي وعضو البرلمان وجميع صنوف الناس، إذا خلوا من اللباقة سببوا لأنفسهم وأهلهم من حولهم متاعب تؤدي إلى الفشل والخيبة، مع ما قد يكون لهم من كفاية نادرة وأخلاق فاضلة، على حين أن من دونهم كفاية قد يكونون أكثر نجاحا للباقتهم وظرفهم.

وشأن المرأة من ذلك شأن الرجل؛ فالمرأة الفاضلة اللبقة أكثر نجاحا في الحياة الزوجية والحياة الاجتماعية، وقد تكون الحياة جحيما؛ وليس لذلك من سبب إلا أن المرأة مع استقامتها وسمو أخلاقها قد حرمت اللباقة والظرف، فهي تسبب بعدم لباقتها كل يوم مشكلة جديدة قد يصعب حلها.

وبعد، فالأخلاق الفاضلة مع اللباقة والظرف والكياسة عدة النجاح.

الفصل الرابع والأربعون

| كيف ترقى الأمم

أعتقد أن الأمم في حركة مستمرة دائما، وهي أما حركة تقدمية أو رجعية، ولكن لا وقوف، وهذه الحركات كثيرة جدا تعد بالآلاف، وهي حركات معقدة لا تتجه اتجاها واحدا دائما، بل قد تتجه اتجاهات متعاكسة، فالحركة تكون مربحة ماليا وغير مربحة أدبيا، وقد تساعد التجارة، ولكنها تضعف الخلق، وقد تغير الرجال، ولكنها تضر النساء، والعكس وهكذا، ومن أجل ذلك فالحكم على الحركات إجمالا بالنفع أو الضر يحتاج إلى عين ماهرة فاحصة، ثم إن الحركات التي تصدر عن الأمة اليوم لا بد أن يدخل في نسيجها أعمال الأمس، بل يدخل فيها أيضا رغبات الناس في المستقبل؛ من آمال وسعادة وغنى ونحو ذلك، فهي أشبه ما تكون بالسوائل المائعة، تقبل التقدم والتأخر والاستقامة والاعوجاج في سهولة ويسر، لا كالأشياء الجامدة المتحجرة.

وهذه الحركات دائما في تغير مستمر، فكل يوم تظهر قضايا لم تكن موجودة، وتختفي قضايا كانت موجودة، والاختلاف في قضية قد يستتبع خلافا في قضايا أخرى، فالمرأة لما سفرت استتبعت تغييرا في نظام الزواج والطلاق، وتغييرا في تفصيل الملابس وخياطتها، ورواجا للقبعات بدل البراقع ونحو ذلك.

والمجتمع لديه شعور طبيعي، مجهول لنا سببه، وهو الميل دائما إلى التوازن؛ فحيث تجد حرارة في ناحية تجد برودة تقابلها في ناحية أخرى، ويتجلى ذلك في الثورة الفرنسية - مثلا - والثورة الصناعية، فقد خلقت نظاما خاصا، فاستتبع هذا النظام تغييرا في الأنظمة الأخرى تناسبه وتلتئم معه، وتكون توازنا لا بد منه.

ويحدث عادة أن كثيرا من الناس قبل البدء في الرقي تظهر عليهم أعراض السخط على الماضي، ومن هؤلاء من يزيد سخطهم فيتشاءمون، ولا يعودون يصلحون لعمل إيجابي، ولا يكون أمامهم إلا إظهار العيوب ونقدها والتحسر عليها، وبجانبهم - عادة - يكون قوم آخرون إيجابيون، يتألمون من الماضي، ولكن يحفزهم ألمهم على البحث عن طريق الخلاص منه، فيضعون برنامجا لذلك الخلاص، ويرسمون خطة للعيش اليوم في ضوء المستقبل، ويعيشون عيشة يعدلون فيها حياتهم وفق آمالهم ومثلهم العليا على قدر الإمكان.

ولكن مع الأسف لم يخلق الله شخصين متحدين في المزاج والعقلية والتجارب، حتى يضعا برنامجا واحدا للمستقبل، بل لكل إنسان برنامجه؛ نعم, قد يتفقان في الغرض؛ كأن يتفقا على القضاء على الفقر المدقع، وعلى وجوب تقارب الطبقات، وعلى أن يكون لكل فرد من الملك ما يعيش به عيشة سعيدة، ولكنهما إذا أخذا في التفاصيل اللازمة لتنفيذ هذا الإصلاح فسرعان ما يختلفان، على أنهما كثيرا ما يختلفان في الأساس نفسه؛ فقد يكون المثل الأعلى لأحدهما سعادة الأفراد سعادة مادية؛ من أكل ولبس ومسكن ونحو ذلك، على حين أن الآخر يرى المثل الأعلى في هذا أيضا، وفي السعادة العقلية والنفسية من رقي في الفنون والعلوم والأخلاق والدين ونحو ذلك.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٥٧