قد يضرب الناس أمثلة كثيرة بقوم فاسدي الأخلاق نجحوا في الحياة برذائلهم، حيث لم ينجح كثير من الناس بفضائلهم، ولديهم أمثلة كثيرة على ذلك؛ وخاصة في أيام الحرب؛ فالتاجر المستقيم ربح بحساب أو لم يربح مطلقا، والتاجر الذاعر ربح من غير حساب، والموظف الأمين عاش على مرتبه الضئيل، والموظف الخائن حاز الأموال الطائلة حتى لم تعد تهمة الوظيفة، ثم الموظف المتملق لرؤسائه قد يرقى على أكتاف الموظف المستقيم، وهكذا.
قد يكون هذا صحيحا، ولكن لا بد أن تحسب راحة الضمير للمستقيم وقلقه عند الخائن، وتحسب احتقار الرأي العام للخائن واحترامه للنزيه، وتحسب حساب المسئولية أمام الله، وتحسب حساب أن المال الحرام قلما يفيد صاحبه وأولاده لأسباب دينية ونفسية واجتماعية، وتحسب حساب من ضبطوا في حياتهم فعوقبوا فخسروا الدنيا والآخرة، فلو حسبت حساب هذا لترددت كثيرا في تسمية هذا نجاحا، وهبه صحيحا فأغنياء الحرب الذين اكتسبوا من طريق الرذائل استثناء من الحياة العامة، ومن نجحوا في السلم عن طريق غشهم وخداعهم وملقهم استثناء من الحياة العامة، أما القانون العام في كل زمان ومكان فهو أن النجاح في الحياة يتوقف كثيرا على الأخلاق التي يستلزمها العمل من صفات خاصة وعامة؛ من اعتدال في الحياة، وضبط للنفس، وجد في العمل، وأمانة واعتماد على النفس وثقة بها، وإخلاص في العمل، وإخلاص لنفسه وللناس، وصدق في المعاملة، إلى غير ذلك من فضائل؛ وكلما رقيت الأمة كان من مظاهر رقيها نجاح الذين يعتمدون على أخلاقهم، وفشل الذين يعتمدون على رذائلهم.
وهكذا الشأن في الأمم؛ تنجح الأمة في عالم التجارة إذا أحسنت سمعتها، وحسنت معاملاتها، وحسن إنتاجها، وتفشل إذا انهارت هذه الأخلاق، وتنجح في السياسة إذا صدقت وعودها، وشرفت في معاملاتها، وخدمت الإنسانية بأغراضها، فإن نجحت بغير ذلك فنجاح مؤقت، ونجاح كنجاح الموظف الخائن، ومؤرخو الدولة الرومانية - مثلا - مجمعون على أن نجاحها في عصر ازدهارها كان مؤسسا على أخلاقها، فلما تدهورت أخلاقها تدهورت أملاكها.
ثم قد ينجح المرء في الحياة بسبب النبوغ العلمي النادر، أو الذكاء العقلي اللامع، أو القدرة الفائقة على إدارك الفرص وانتهازها ولو لم تدعمها الأخلاق الفاضلة، ولكن حتى في هذه الأحوال النادرة لو كان لهذه المزايا الفائقة مستند من أخلاق فاضلة لكان صاحبها أكثر نجاحا؛ فالأخلاق الفاضلة تقويه وتقوي نجاحه، والأخلاق السيئة تضعفه وتضعف نجاحه.
إن الذكاء اللامع والعقلية القوية والقدرة على انتهاز الفرص ونحو ذلك، لو دعمتها أخلاق فاضلة لتوجهت إلى خير صاحبها وخير الناس، وإن هي لم ترتكز على الأخلاق الفاضلة كانت عرضة لأن تتجه للعمل لشر الناس، وفي ذلك من الخطر ما لا يخفى، والنابغ والذكي أقدر على الخير والشر من الرجل العادي.
وهناك أمر لا بد من التنبيه إليه، ويقع في الخطأ فيه كثير من الناس، وهو أن الأخلاق الفاضلة التي تسبب النجاح يجب أن تصحبها اللباقة، أو الأدب في المعاملة، أو حسن المجاملة، أو ما شئت من أسماء؛ فالأخلاق الفاضلة وحدها لا تكفي في النجاح إذا هي اصطحبت بجفاف في المعاملة، أو خشونة في الطباع، أو عدم ظرف ولباقة؛ قد يكون التاجر أمينا مستقيما ولكنه خشن غير لبق، وقد يكون الموظف مستقيما أمينا جادا في عمله قائما بواجباته، ولكنه جاف غليظ سمج في معاملاته لرؤسائه وللناس، وقد يكون الأديب أو العالم مستقيما في سلوكه مخلصا لأدبه أو علمه، ولكنه غير لبق في معاملته لمن حوله؛ كل هؤلاء قد يفشلون في الحياة ولا ينجحون، ثم هم يخطئون إذ يظنون ويظن بعض الناس معهم أن فشلهم أتى من استقامتهم وجدهم وإخلاصهم، والحقيقة أن فشلهم أتى من قلة لباقتهم وعدم ظرفهم، لا من حسن أخلاقهم.