تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومهما كان الاختلاف فقد اتفق المفكرون تقريبا على أن أسس الإصلاح التي ينبغي أن تطلب وتحقق ثلاثة: النوع الأول: الإصلاح المالي للدولة، ويشتمل على أشياء كثيرة سنتعرض لها بعد، والإصلاح الثاني: تنظيم المعاهد والمرافق، وتوجيهها وجهات متعاونة لا متعاكسة، والأساس الثالث: تعديل حالة الأمة وتسييرها، مع مراعاة ما يحيط بها من ظروف خارجية وعلاقات بالدول الأجنبية، مع العلم بأن كل أساس من هذه الأسس يؤثر نظامه على الأساسين الآخرين جودة أو رداءة، فإذا حسن تنظيم أحدها ساعد على تنظيم الآخر، وإلا لا.

ونعني بالتنظيم المالي جملة أشياء: مثل تنظيم معاهد العمال ونقاباتهم وشركاتهم، ووضع ما يكفل نشاطهم وجدهم وأمانتهم في العمل وإتقانه ونحو ذلك، ومثل تنظيم المعاهد العلمية ومعاهد الأبحاث ونحو ذلك، وقد يكون غريبا أن نعد هذا من ضمن التنظيم المالي، ولكنه هو الصحيح؛ لأن الأبحاث العلمية ونتائجها قد تدر على الدولة من الأموال ما ليس له حد؛ خذ لذلك العلم الذي يبحث في معرفة الأرض، وهل فيها بترول أو لا؟ وكيفية استخراج البترول والانتفاع به ... فإن هذا يفيد الدولة اقتصاديا ما لا يفيده أي شيء آخر.

ومثل تنظيم الضرائب على الشعب، وإلى متى يتحمل، وكيف تضرب الضرائب على الكماليات أكثر مما تضرب على الضروريات، وكيف تختلس الضرائب اختلاسا حتى لا يتألم منها الجماهير ونحو ذلك، ومثل التنظيم الزراعي، ودراسة الأرض، وما تحسن وما لا تحسن، وكيف تستغل الأراضي بالآلات الحديثة، لنستخرج منها أكبر محصول بأقل مجهود، وهكذا، ومثل تعاون النقابات وكيفيته وتنظيمه، فيساعد بعضها بعضا لخير الأمة، ومساعدة الفلاحين بواسطتها حتى تسهل أمورهم ومعاشهم؛ هذه هي أهم التنظيمات المالية التي يجب أن تحققها الدولة إذا أرادت الرقي.

أما الأساس الثاني، وهو تنظيم الحياة العلمية والفنية وترقيتها، ووضع البرامج لهما، وإمدادهما بالمال اللازم لهما؛ فإنه مهما صرف عليه من المال فإنه سيعوض أضعاف ما صرف عليه، وأهم شيء في ذلك اختيار الصالحين لهذا العمل اختيارا صحيحا، وقد وزع الله الملكات على الناس؛ فمنهم من ملكته في يده، وهؤلاء يكون منهم الصانعون، ومنهم من ملكته في رأسه، وهؤلاء يكون منهم العلماء والباحثون، ومن ملكته في قلبه، ومن هؤلاء يكون الفنانون، وإنما يصلح كل شخص إذا أسند إليه عمل يناسب ملكاته، وإلا كان الشأن شأن كتاب فقه يوضع في يد أديب، وكتاب شعر يوضع في يد فقيه.

وأما الأساس الثالث، وهو معرفة الظروف الخارجية، وتسيير الأمة وفقها فأساس لا بد منه لهدوء بال الأمة، وإمكان السير في حياتها الداخلية سيرا هادئا مطمئنا، فقد تعتري الأمة هزة فظيعة من جراء جهلها بالظروف الخارجية، وقد تفوت عليها مصالح هامة من جراء جهلها أو عدم انتهازها للفرص، مما يؤثر في مجرى حياتها الداخلية.

هذه الأسس الثلاثة متى أحسن تدعيمها تقدمت الأمة بمقدار هذا التحسين، ويجب أن ننبه هنا على شيء هام، وهو أن القائمين على تنظيم هذه الأسس يجب أن يكونوا مرنين متأقلمين، لا جامدين متزمتين، فإذا ظهرت بوادر تغيير في الظروف غيروا في التنظيم، وساروا مع الأحوال الجديدة سيرا جديدا، ولا يفعلون ما يفعل الساسة الأجانب، تمر عليهم الأجيال وتتغير الأحوال، ثم هم يعاملون من يعاملونهم كأن الدنيا ما تغيرت، وكأن الزمان ما حال.

إن الفتاة الباريسية التي تتغير كل حين في بدعها (مودتها)، ولا تلبس اليوم ما كانت تلبسه بالأمس، ولا في الصيف ما كانت تلبس في الشتاء، أعقل من العلماء الجامدين ومن الساسة المتزمتين؛ إن الأمة إذا وجهت عنايتها لهذه الأمور الثلاثة، ووجهت عنايتها أيضا إلى توحيد هذه الاتجاهات التي تعاكسها، ضمن لها النجاح، ومن حسن الحظ أن الدولة الناشئة لم تثقل أكتافها التقاليد القديمة ولا الأساليب العتيقة، فهي حرة في التجديد أكثر من حرية من أثقلها الماضي وغلها بقيده، والفرق بينهما كالفرق بين فتى انفتلت عضلاته واشتد ساعده ومرن عقله، وبين شيخ أقعدته السنون وأثقلته الهموم وقيدته أحداث الزمان، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٥٨