تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على كل حال قد أفاد هؤلاء المشرعون بمناهجهم الإسلام فائدة كبيرة، والذي يريد أن يدرس فلسفة المسلمين الأصيلة وبعد نظرهم، وجدهم المضني، فليدرس المشرعين وتاريخهم وفقههم وأصولهم، فهنا يجد الأصالة التامة، حيث لا يجد ذلك في دراسة للفلسفة والفلاسفة المسلمين؛ فإنها تقليد لليونانيين، وليس فيها الأصالة ما للمشرعين، ولو ظل باب الاجتهاد مفتوحا طول العصور، لرأينا العجب العجاب من نمو الفقه وتطوره، مما يناسب كل عصر، ولكنهم - جازاهم الله على عملهم، - ضيقوا في الدين واسعا، وحرموا على أنفسهم ما أحله الله، فكان كلام الخلف ليس إلا ترديدا لما قاله السلف، حتى في الأمثلة.

وليسوا يبيحون لأنفسهم أن يواجهوا مسألة جدت ولم يكن لها في الماضي نظير، ولا أن يقدروا عمل الزمان في تغيير الأحداث والأحكام، فنحن أحوج ما نكون إلى طائفة مجتهدة تماشي العصر وتشرع للزمان.

لقد ملئ العالم بانقلابات خطيرة في الصناعة؛ كالطيارات والغواصات والقطارات والقنابل الذرية والراديوا والتلفزيون، وغير ذلك من آلاف المخترعات، وكلها تتطلب تشريعات جديدة؛ فمثلا: الطائرات تقتضي بحثا في مدى ملكية الأمة لسمائها، وهل يجوز لطائر من أمة أن يطير بطائرته في سماء أمة أخرى من غير إذنها، ونحو ذلك من مشاكل، وكثيرا ما كان الشيخ محمد عبده (رحمه الله) يستفتى في مسائل جديدة تواجه المسملمين؛ كلبس البرنيطة وإيداع المال في صناديق التوفير، وأكل ذبائح النصارى، ونحو ذلك، فكان يجتهد ويشنع عليه في اجتهاده، ولولا اجتهاده هذا لحار المسلمون في أمرهم.

أما هذا الجمود، وإغلاق العين عما يحصل، فنتيجة إهمال الساسة الفقه الإسلامي، والاتجاه إلى غيره من القوانين الغريبة؛ كما حدث في عهد الخديو إسماعيل، فقد روي أنه طلب من جمهرة العلماء أن يجمعوا الأحكام من سائر المذاهب المختلفة، ولا يتقيدوا بمذهب واحد، وأن يعدلوا عن بعض المسائل في مذهب إلى غيرها أصلح منها في مذهب آخر، فلم يقبلوا، فاضطر إلى التشريع على أساس القانون الفرنسي وإنشاء المحاكم الأهلية، فكان ذلك ضربة كبرى على التشريع الإسلامي.

ولو كان مصطفى كمال قد رأى من علماء المسلمين مرونة واجتهادا ما التجأ إلى القوانين الأوربية ينقلها بحذافيرها من غير مراعاة لوطنه، ومن هذا نرى أننا نحتاج إلى ثورة فقهية، وثورة أدبية بجانب الثورة السياسية، والله الموفق!

الفصل الثالث والأربعون

| النجاح في الحياة

كل إنسان في الوجود يأمل النجاح في الحياة؛ رجلا أو امرأة، صانعا أو زارعا أو تاجرا أو أديبا أو عالما، وإن اختلفت الصورة التي يرسمها كل لغايته في النجاح.

وهناك صفات كثيرة لا بد منها في النجاح؛ بعضها خاص بنوع العمل الذي يعمله الشخص؛ فالتاجر تلزمه صفات خاصة لنجاحه قد لا يتطلبها نجاح العالم أو الأديب، وهناك صفات عامة لا بد أن يتصف بها كل مريد للنجاح.

وقد دلت التجارب على أن النجاح في الحياة على وجه العموم يعتمد على الأخلاق أكثر مما يعتمد على العلم؛ ومن أمثلة ذلك: ما يشاهد من تجار كبار كانوا أميين أو شبه أميين بنوا لأنفسهم مجدا في التجارة، ونجحوا فيها نجاحا باهرا بجهدهم واستقامتهم وحسن سمعتهم، ومعرفتهم بالسليقة نفسية الجمهور، ثم رزقوا أولادا أرادوا أن يكونوا خيرا منهم في التجارة، فأرسلوهم إلى ألمانيا أو فرنسا أو إنجلترا، وعلموهم على آخر طراز، ونالوا الشهادات العالية في الاقتصاد وما إليه، ثم عادوا وحلوا محل آبائهم بعد وفاتهم، وكانت النتيجة أن خسرت تجارتهم، وأقفلت محالهم بعد إفلاسهم، وأصابهم الفقر بعد الغنى، وبين أن آباءهم الأميين أو شبه الأميين كانوا خيرا منهم.

وليس المسئول عن نجاح الأولين وفشل الآخرين هو الجهل أو العلم، ولكن الأخلاق؛ فالأب - على أميته - كان يحسن الأخلاق التي تتطلبها التجارة فنجح، والثاني لم يحسنها ففشل، ولو كان الابن المتعلم في مثل أخلاق أبيه الجاهل لكتب له من النجاح أكثر مما كتب لأبيه، وهكذا في كل نواحي الحياة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٥٥