والشافعي - مثلا - تلميذ الإمام مالك، ومتأثر به، ومطلع أكثر من الإمام مالك على المدنيات الأخرى التي رآها في مصر والعراق، ومما امتاز به اهتداؤه إلى علم الأصول ووضعه له، ثم استنباطه الأحكام على وفقه، مما لم يصل إليه إمام آخر؛ ولذلك كان مذهبه أكثر المذاهب انطباقا على المنطق، بعكس الأئمة الآخرين، فإنهم كانوا يعتمدون على فهمهم لآيات الأحكام وأحاديثها، وكان الاستنباط كالملكات في نفوسهم، فجاء الشافعي فوضع تلك الأصول والتزمها.
والشافعي - كما تدل عليه رسالته في الأصول - يقدر السنة تقديرا عظيما؛ لأنها في كثير من الأحوال مبينة للكتاب، مفصلة لمجمله، وقد نفعه في ذلك دراسته الموطأ على الإمام مالك، وملاقاته مشاهير المحدثين في بغداد ومصر.
وملخص منهجه أنه إذا عرض له أمر بحث عنه في الكتاب، فإن لم يجده بحث عنه في السنة، وإذا وجده في الكتاب مجملا، بحث عنه في السنة مفصلا؛ ولذلك يجعل الشافعي العلم بالسنة في مجموعها في مرتبة القرآن، ويعني بذلك الحديث الذي ثبتت صحته؛ إذ قيد السنة التي في مرتبة القرآن بالسنة الثانية، فإذا لم يجد الحكم في كتاب ولا سنة اتجه إلى الإجماع، فإن لم يجد إجماعا، التجأ إلى القياس؛ وقد عني الشافعي بدرس القياس وتحديده، وقد حدده بالمثال، ووضع قواعد معينة لاستعمال القياس.
أما أبو حنيفة فقد تشدد في الحديث الذي يقبله؛ ولذلك قل اعتماده على الأحاديث - كما ذكرنا - واضطره ذلك إلى التوسع في القياس؛ لأنه إذا لم يكن في المسألة العارضة حكم في الكتاب ولا في السنة، اضطر إلى أن يلجأ إلى القياس، فتوسع فيه أكثر من باقي الأئمة.
وأما أحمد بن حنبل، فقد توسع في الحديث ما شاء الله أن يتوسع، فلم يعتمد على القياس إلا قليلا، ولم يتصور إجماعا غير إجماع الصحابة. •••
وبجانب هؤلاء الأئمة الأربعة كان هنالك أئمة يتجهون اتجاهات مخالفة بعض الشيء؛ فمنهم من كان ينكر الحديث بتاتا، وقد حكى ذلك عنهم الإمام الشافعي نفسه في الأم، وأئمة رفضوا القياس بتاتا، ولم يعتمدوا إلا على النص، حكى عنهم ذلك الماوردي في كتابه «الأحكام السلطانية» كما فعل أهل الظاهر؛ فأهل الظاهر يرفضون القياس، ولا يعتمدون إلا على النصوص، ويعتبرون أن النص إذا ذكرت علته، كان أخذ الحكم من هذه العلة بناء على النص لا بناء على القياس.
ومع اعتمادهم جميعا على الأصول الأربعة، وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فإنهم واجهوا مسائل اضطروا فيها إلى الرجوع إلى العدالة، كما يقررها العقل، وهي التي كان يسميها القانون الروماني بقانون الطبيعة، وسماها كل إمام باسم خاص؛ فسماها بعضهم استحسانا، وسماها بعضهم استصلاحا، وسماها بعضهم المصالح المرسلة.
وقد تعسف بعضهم فأرجعها إلى القياس، وسماها قياسا خفيا، مع أن العقل غير المتعسف يرى أنها ترجع إلى طبيعة المشرع في تقويم العدالة، وليست من قبيل القياس المعروف. •••
فنرى من هذا أن مناهج الفقهاء تكاد تكون متقاربة؛ لأن اختلافها إنما هو في التفصيلات لا في الأسس، على أنا لا ننكر أن السياسة لعبت دورا كبيرا عند بعض الفقهاء، وأقرت في بعض آرائهم؛ فمثلا: كان الزهري المتوفى سنة 124ه رجلا كبير النفس، واسع العلم، ومع ذلك كان كثير الاتصال بالأمويين، فكان يسهل أحكامهم، ويمهد الأمور لسلطانهم، وربما كان يرى أن مسالمتهم وعدم الخروج عليهم مما يجمع أمر المسلمين ويوحد كلمتهم، وكان كثيرون يرون أن سوء العقيدة مع العمل والقوة خير من صحة العقيدة مع الضعف والظلم.
أما في الدولة العباسية فتدخلهم في التشريع ظاهر أكثر من ظهور ذلك في الدولة الأموية؛ فأولا: رويت الأحاديث الكثيرة عن عبد الله بن عباس، وأعلي شأنه كثيرا، وثانيا: ظهر في التشريعات أشياء كثيرة، تخدم سياستهم التشريعية؛ كالتشديد على النصارى بلبس الزنار، وتميزهم بالملابس الخاصة، يدرك ذلك من دقق النظر في كتاب «الخراج» لأبي يوسف، وهذا التدخل السياسي في التشريع هو الذي كان السبب في رفض كثير من الأئمة تولي القضاء، وإن عذبوا وأهينوا؛ لأنهم متى قبلوا القضاء، فقد خضعوا للسلطة السياسية، وجاروها وعملوا حسب رأيها.