ولتنظيم الثروة أهمية كبرى لا من الناحية المالية فحسب، بل إن أثرها يتعدى - تقريبا - كل مناحي الحياة؛ فالثروة هي عماد رقي الصحة، ورقي العقل، ورقي الروح، والرقي في تنظيمها يستتبع رقيا في جميع هذه النواحي، كما أن الانحطاط فيها يستتبع الانحطاط في جميع هذه النواحي.
وهناك نواح أخرى لا يتسع لعدها مقال، ولكن يمكننا أن نجمل القول فيها وفيما ذكرنا قبل بأن «خير مقياس لرقي الأمة أن تنظر الحكومات في تصرفاتها لمصلحة المجموع، وأن تنظر الأفراد في تصرفاتها لمصلحة الأمة».
وهذا هو مظهر الرقي من الناحية المجردة، وهناك مقياس لرقي الأمة نفسها؛ أعني أننا إذا تساءلنا هل هذه الأمة بعينها تسير نحو الرقي أو نحو الانحطاط، فبم نجيب؟
أظن أن الإجابة عن ذلك سهلة، وهي أن الأمة - في كل ما ذكرنا - إذا كانت في يومها خيرا من أمسها، وأقرب إلى المثل الذي ألممنا بوصفه، فسائرة إلى الرقي ، وإذا كانت في يومها شرا من أمسها، وكانت أبعد عن المثل الذي وصفنا، فسائرة إلى الانحطاط، وإن كانت في يومها خيرا من أمسها في بعض النواحي وشرا في البعض الآخر، وجب أن نعمل عمليات دقيقة لتقويم الحسن والقبح، وعمليات جمع وطرح دقيقة نعرف بها ما يتبقى بعد ذلك من ضعة أو كمال، ثم الحكم بعد ذلك حسب نتائج هذه العمليات.
الفصل الثاني والأربعون
| مناهج الفقهاء الأئمة في التشريع
اتفقت كلمة المشرعين على أن أصول الأحكام الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وإن اختلفوا في الاعتماد والتفسير لبعض هذه المصادر؛ فمثلا: يعتمد الإمام أحمد بن حنبل على الحديث كل الاعتماد، ويجمع في مسنده نحو ستة آلاف حديث يبني عليها أحكامه الفقهية، على حين أن أبا حنيفة لم يصح عنده إلا نحو تسعة عشر حديثا، كما يخبرنا بذلك ابن خلدون، ويضيق الإمام مالك فكرة الإجماع ويقصرها على إجماع أهل المدينة، على حين أن غيره من الأئمة يجعل الإجماع عاما لجميع المسلمين؛ استنادا إلى قوله (
صلى الله عليه وسلم ): «لا تجتمع أمتي على ضلالة»، ويتوسع أبو حنيفة في القياس حيث يضيقه أحمد بن حنبل، وهكذا تختلف منازعهم وإن اتفقوا على الأصول الأربعة.
وعدا ذلك اختلفت منازع الأئمة في التشريع، وكان لا بد من اختلاف اتجاهاتهم؛ فإن الأحكام الواردة في القرآن والسنة أكثرها أحكام كلية؛ مثل:
لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده ، ومثل: «لا ضرر ولا ضرار»، وهكذا، وقد واجه الأئمة بعد فتح الأمصار حالات كثيرة جديدة لم تكن معروفة في جزيرة العرب؛ ففي العراق واجهوا مسائل الري الناشئة عن دجلة والفرات، واجهها أبو حنيفة، ثم من بعده تلميذه أو يوسف ومحمد، وفي مصر واجه الشافعي مشاكل الري الناشئة عن النيل، هذا إلى مشاكل المعاملات والجنايات.
ولكل قطر عاداته في المعاملات والجنايات، ومن أجل ذلك كان للشافعي مذهبان: قديم وجديد؛ قديم قبل أن يدخل في مصر، وجديد استدعته أحوال مصر؛ ولذلك أود أن يتجه بعض الناشئين الباحثين فيقارنوا بين مذهبه القديم والجديد؛ ليعرفوا إلى أي حد غيرت مصر من مذهبه القديم، ويعرفوا الحالة الاجتماعية التي استدعت ذلك.
هذا إلى أن كثيرا من الأمم التي دخلت تحت حكم الإسلام؛ كالفرس والروم، كانت لهم عادات خاصة، فلما دخلها الإسلام كان لا بد أن يعرضوها على الأئمة، ليعرضها هؤلاء بدورهم على الأصول الكلية للإسلام، ويقروها أو يحكموا ببطلانها.
وأسباب الخلافات بين الأئمة ترجع إلى عوامل كثيرة؛ منها صحة حديث عند بعض الأئمة في بعض الأقطار، وعدم صحتها عند الآخر، ومنها فهم الإمام لآية وحديث حيث لا يفهم الإمام الآخر هذا المعنى منهما، ومنها أن أحد الأئمة يشترط شروطا كثيرة في قبول الحديث حيث لا يشترطها الإمام الآخر، ومنها تأثر الإمام إلى درجة كبيرة بالبيئة التي يعيش فيها، حيث يتأثر الآخر ببيئة غيرها، ومنها ثقافة كل إمام، وإن كان كلهم مثقفين إلا أنه مهما كانت ثقافتهم فإن كلا منهم يختلف عن الآخر في نوع الثقافة ومقدارها؛ فمثلا: الإمام مالك متأثر ببيئة المدينة، حيث كان يسكن رسول الله، والصحابة الذين كانوا يعيشون حوله، وكان يقدرهم تقديرا كبيرا حتى جعل الإجماع الذي يعتد به هو إجماعهم، ووجوده في المدينة مكنه من معرفة الأحاديث الصحيحة التي اعتمد عليها في كتابه الموطأ، ولكن من ناحية أخرى، كان وجوده هذا في المدينة سببا في عدم اطلاعه على المدنيات الأخرى، ومعاملاتها وجناياتها، كالتي اطلع عليها أبو حنيفة في العراق، والشافعي في مصر.