تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وشيء آخر من مظاهر الرقي في الأمة، أعني به انقسام الأمة إلى جماعات حسب تعدد الأعمال وتعدد الوظائف، وقيام كل جماعة بوظيفتها، على أن يكون الغرض الأخير لكل جماعة مصلحة الأمة.

لقد كانت الجماعة في حالة بداوتها، وفي حالة عيشتها القبلية، تتركز سلطتها في يد فرد واحد، وهو شيخ القبيلة، فلما تكونت الأمم وارتقت أخذت تتوسع الأعمال، وتتعدد الوظائف، ويتعدد القائمون بها؛ فبرلمان ومحاكم وجيش ورجال دين ورجال تعليم وصناع ونقابات ... إلخ، وكلما تقدمت الأمة اتسعت أعمالها وتعددت وظائف القائمين بها، وعهدت لخير رجالها تنظيمها وإدارتها.

وليس رقي الأمة الذي نعني بكثرة الأعمال وتعدد القائمين بها فحسب، بل أهم من ذلك تنظيم العلاقات بين الجماعات المختلفة العامة، حتى كأن الأمة كلها آلة ميكانيكية، وكل جماعة فيها تعمل وفقا لسير هذه الآلة، حتى تنتظم كلها في عملها، فليس كل جزء من الآلة يعمل عمله مستقلا، وإنما يعمل وفق سير الآلة كلها، وليحقق الغرض الذي ترمي إليه كلها.

وهذا ضرب آخر من ضروب التوحيد الذي أشرت إليه قبل، فإن الأمة بذلك يكون لها أغراض معينة لا تتعارض ولا تتعاكس، والقوى العامة على اختلاف أنواعها من قوى اقتصادية وأخلاقية وتعليمية واجتماعية، تعمل متساندة متفاهمة لتحقيق هذه الأغراض، أما إن هي لم تتفاهم ولم تتساند، هدم بعضها ما يبني الآخر، ونقض بعضها ما غزل الآخر، فضاعت قواها بين بناء وهدم وغزل ونقض، وكانت كما قال الشاعر:

تهتز وهي مقيمة

فكأنما هي زلزلة

ثم لكل ناحية من النواحي الاجتماعية مظهر واضح يدل على الرقي؛ فمن الناحية السياسية، مظهر الرقي تحقق العدل الاجتماعي وقربه من الكمال، وأكبر مظهر لذلك أن يحكم الشعب نفسه بنفسه، فيختار المشرعين له والمنفذين لقوانينه ونظمه، اختيارا تراعى فيه الحرية التامة، وليس هذا فحسب، بل يجب أيضا أن يفسح الطريق لكل فرد ليصل إلى هذه الوظائف السياسية ما سمحت له مقدرته وكفايته؛ أعني ألا يدخل عامل من العوامل في الرقي إلى المراكز السياسية غير الكفاية وحسن الاستعداد، فلا الغنى ولا الجاه ولا البيت الرفيع ولا المحسوبية مما يصح أن تكون عاملا من عوامل المناصب؛ فالأمة الراقية حقا من الناحية السياسية هي التي سهلت الفرص لكل الناس على السواء، وعدلت بينهم عدلا مطلقا، وأزالت كل العقبات من طريق السباق حتى يكون الفائز فيه من أعدته الطبيعة والمران ليكون الفائز.

وبمقدار قرب الأمة من هذا المثل الأعلى، وبعدها عنه، يحكم عليها بالرقي السياسي أو الانحطاط السياسي، فإن حكمها غيرها أو حكمت نفسها واستبدت بالحكم فيها طبقة خاصة تعتز بالنسب أو بالمال، واعتز ذيولها بالمحسوبية لها، فما أبعدها إذن عن مظاهر الرقي!

ومن ناحية «الثروة»، مظهر الرقي أن يتجه الأفراد والحكومات بنظرهم في تحصيل الثروة، وإنفاقها إلى الخير العام للأمة، فإذا أنفق الفرد ثروته في تقوية نفسه وأسرته فهذا من مصلحة الأمة، وإذا نظم حياته بماله تنظيما يدعو إلى رقي نفسه وأسرته؛ فعرف كيف يدخر، وكيف ينفق، وإذا أنفق أنفق في تقوية بدنه وعقله وروحه، وأسبغ على حياته وحياة أسرته القوة من جميع نواحيها، فذلك في مصلحة الخير العام، ومثل هذا إذا خصص جزءا من فضل ماله لما يرى من وجوه النفع العام التي تلائم ذوقه وتتفق مع ميوله.

أما إذا أنفق ثروته فيما يضعف نفسه وأسرته، من انهماك في نوع من أنواع اللذائذ المنهكة للقوى المتلفة للمال، من ميسر أو إدمان مسكرات أو نحو ذلك، فمظهر من مظاهر الانحطاط؛ لأنه يضعف بذلك نفسه وأسرته، وفي ذلك إضعاف للأمة؛ لأن الأسرة وحدة الأمة، وكذلك الشأن في ثروة الحكومة من حيث الدخل والخرج، فإذا راعت في فرض الضرائب مصلحة المجموع، وراعت في وضع ميزانيتها ووجوه إنفاقها مصلحة المجموع كذلك، فذلك مظهر رقيها، أما إن هي راعت في ضرائبها مصلحة فئة من الناس، وراعت في ميزانيتها طبقة من الطبقات، وأنفقت على المدن وضنت على الفلاح، وأسرفت في الكماليات وشحت في الضروريات، وبالغت في توسيع الشوارع وغرس الأشجار قبل أن يجد الفلاح ماءه النقي الذي يشربه، ومسكنه الصحي الذي يسكنه، ونوره الذي يستنير به، فمظهر من مظاهر الضعف والانحطاط.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٥٢