الفصل الحادي والأربعون
| مظاهر الرقي في الأمم
كل أمة في حركة دائمة وتغير مستمر؛ فهي لا تعرف القرار والثبات على حال، غير أن هذا التغير قد يكون إلى حال خير مما كانت عليه، وقد يكون إلى أسوأ، فإن كان الأول سميناه رقيا وتقدما ونجاحا، وإن كان إلى أسوأ سميناه تدهورا وتأخرا وانحطاطا.
غير أن حسبان التقدم والتأخر أو الرقي والانحطاط في منتهى الصعوبة، لأسباب عديدة؛ أهمها أمران:
الأول:
أن كثيرا من المظاهر موضع خلاف، هل هي أسباب رقي أو أسباب انحطاط، أو هي ليست أسباب رقي ولا انحطاط، وقد يكون الشيء سبب رقي؛ كالحرية والمساواة، فإذا غلت فيه الأمم، وتجاوزت حدوده، انقلب إلى سبب انحطاط، وهذا يجعل حسبان التقدم والانحطاط عسيرا.
والثاني:
أن كل أمة في الوقت الحاضر تتغير من نواح مختلفة تغيرات قد تعد بالمئات أو بالآلاف، وهذه التغيرات مشتبكة معقدة، متجهة اتجاهات متعاكسة، بعضها يعد تقدما ورقيا وبعضها يعد تأخرا وانحطاطا، فعمليات الجمع والطرح لتعرف النتائج في منتهى الدقة والصعوبة، بل العامل الواحد قد يسبب رقيا في ناحية وانحطاطا في ناحية أخرى؛ يسبب رقيا في الناحية الاقتصادية وانحطاطا في الناحية الخلقية، أو العكس؛ رقيا في الناحية العلمية وضعفا في الناحية الدينية، أو العكس؛ فحسابه إذ ذاك يكون عسيرا، والوصول إلى تصفية نتائجه في غاية المشقة، وهذا هو الشأن في عامل واحد، فكيف يكون الشأن في آلاف العوامل والمؤثرات والأسباب؟ فلأكتف الآن بجزء من الموضوع، وهو الإجابة عن السؤال الآتي:
ما أهم مظاهر الرقي في الأمم؟
لعل أهم ما يعد فاتحة لتقدم، وإرهاصا لنجاحها ورقيها، تقارب أفرادها في العقلية والعاطفة، وتوحدها في المثل الأعلى الذي تنشده، واشتراكها في العادات والتقاليد، وشعور كل فرد أنه جزء من أمة يعمل لنفسه ولها، ولخيره وخيرها؛ ذلك أن الركن الأساسي في تكوين الأمة هو وحدة المصالح، ووحدة العواطف ووحدة اللغة ... إلخ، فكلما أمعنت الأمة في هذا التوحد كانت أشد استحقاقا لاسم الأمة، ومن أجل هذا حافظت الأمم على أن يكون لكل منها قانون يعم جميع أفرادها، وتعليم متحد في الأساس يتثقف به أبناؤها، ونظم عامة يخضع لها شعبها، وأهم غرض لذلك كله تدعيم هذه الوحدة؛ فإذا كانت الأمة منقسمة انقساما كبيرا إلى بدو وحضر، أو تنازعتها الأديان المختلفة في شكل قوي واضح، أو تقسمتها صنوف التعليم؛ فمدارس فرنسية تتبع برامج فرنسا، ومدارس إنجليزية تتبع مناهج إنجلترا، ومدارس أهلية تتبع نظاما خاصا، وتعليم ديني من أول الأمر، وتعليم مدني من أول الأمر؛ أثر هذا كله في وحدتها، وخالف بين نزعات أفرادها، وأصبح تسميتها أمة مجازا لا حقيقة، وعاق ذلك رقيها وتقدمها.
قد تختلف الأمة في ثقافة أفرادها - وهذا ما يحدث بين كل الأمم الراقية - ولكن أسس الثقافة عندها واحدة، والاختلاف في الكمية فقط لا في النوع؛ كشأنها في اللباس، كل رجل فيها من فلاح إلى ملك يلبس ملبسا يتكون من «بنطلون وجاكته»، ولكن الاختلاف في نوع الصوف وجودة الصناعة وإجادة الخياط.
أما أمم الشرق، فالاختلاف في كل أمة منها في الأسس؛ تعليم ديني من أول أن يسلم الطفل للمكتبة، وتعليم مدني من يوم أن يسلم لروضة الأطفال، وتعليم أجنبي من يوم أن يدخل مدرسة الفرير أو الجزويت، فيخرج المتخرجون أنواعا مختلفة في مثلهم العليا، وفي عاداتهم وتقاليدهم، وشأننا في هذا الاختلاف أيضا كشأننا في الملابس تختلف نوعا لا صنفا فقط؛ فمعمم، ومطربش، ولابس جلبابا، ولابس لباسا إفرنجيا، إلى ما لا يعد ولا يحصى، ثم ما شئت من ضروب الاختلاف في العادات والتقاليد والمثل العليا، مما لا تجد له نظيرا في الأمم الراقية.
فالقرب إلى توحد الأمة في ذلك كله مظهر من مظاهر رقيها، والبعد عن ذلك مظهر من مظاهر انحطاطها، وكما أن توحيد الله أرقى مظاهر الديانة، وتوحيد الزواج وعدم التعدد أرقى مظاهر الأسرة، فتوحيد الأمة - في كل ما ذكرنا - أرقى مظهر لها، ولعل هذا ما حدا بقادة الفكر في تركيا يوم عملوا على ترقية أمتهم أن يوحدوا زيهم، ويوحدوا أسس تعليمهم ونظام مدارسهم، ويوحدوا قوانينهم وجيشهم، وكل شيء لهم.