وكان للبرلمان هذا الحق لأنه يمثل الأمة، والأمة هي التي تدفع الأموال، فيجب أن تسيطر على طرق إنفاقها بواسطة ممثليها.
والبرلمان الراقي الناجح هو الذي يستطيع بثقافته ودقته وسعة إطلاعه وخبرته ودراسته أن يعرف أي النواحي أحوج إلى المال من غيرها، ومقدار ما تحتاجه كل ناحية على حسب ما يصدر عنها من خير، وكيف يفرق بين ضروريات الأمة وكمالياتها، فلا ينفق على الكماليات قبل الضروريات، فإن كان ولا بد فتجب مراعاة النسبة بين الضروريات والكماليات؛ فكما أنه من العبث أن يشتري رب البيت أزهارا إذا لم يكن عنده خبز، كذلك من العبث أن تنفق الأمة الأموال الطائلة على أنواع الزينة والترف وفلاحها لا يشرب ماء صافيا، ولا يأكل أكلا كافيا.
هذه هي الأركان الثلاثة التي بني عليها البرلمان، وما عداها فثانوي لها، وقليل الأهمية بالنسبة إليها، والبرلمان الحق هو الذي يرعى مسائله بحسب أهميتها، ويعطيها من المجهود والعناية والدرس حسب استحقاقها.
في ضوء هذا نستطيع أن نتعرف أمراضا تعتري البرلمانات، وعيوبا تشل حركتها، وتصرفها عن أهم وظائفها، ولنمثل لذلك ببعض الأمثلة: (1)
فمن أهم العيوب أن يتنحى البرلمان عن واجبه في الرقابة، ويشغل نفسه بتوافه الأمور؛ كأن ينقسم أعضاؤه إلى قسمين: قسم يهتم بتأييد الحكومة مهما أخطأت، وقسم يهتم بالعمل على إسقاطها مها أصابت، وبذلك يجعلون الأمر أمر من يتولى الحكم بدل أن يكون الأمر في وضعه الصحيح، وهو كيف توجه سياسة الحكم إلى وجهتها الصالحة، وبهذا تتبخر كل قوى الحكومة وقوى المعارضة وقوى التأييد إلى نزاع حول الحكم من يتولاه، والوظائف من يشغلها، وتضيع الدراسة الحقة والتوجيه الصالح والنقد البريء، وينقلب الأمر إلى مهاترات ومؤامرات وتهريجات، ويوجه خصوم الحكومة كل جهودهم لخلق العقبات، وتوجه الحكومة وأنصارها كل جهودها لإحباط المؤامرات، وتكون النتيجة صفرا دائما، فلا الحكومة فرغت لدراسة شئون الدولة وواجب الإصلاح، ولا المعارضة فرغت للدرس النزيه لمعرفة فوائد المشروعات المعروضة ومضارها، ويصبح الأمر كمن يبني كل يوم جديدا، وغيره كل يوم ينقض ما بناه صاحبه، فمحال أن يكون مع ذلك بناء.
ويستتبع ذلك أن تصرف الأموال هباء في سبيل خلق المؤامرات وإحباطها، وشراء الذمم بالرشا وما إليها، واستخدام الأبرياء؛ كالطلبة، والزج بهم في أهواء الحكم بين تأييد وتفنيد، وهكذا من مضار لا تحصى، ومرجع ذلك كله إلى الغفلة عن الغرض من البرلمان. (2)
جهل العضو البرلماني بواجبه الذي أشرنا إليه، وأنه أمانة في عنقه، ودرس لما يعرض عليه، وتفكير في وجوه الإصلاح ينشدها ويتقدم بالتشريع لها، وسماع صوت ضميره عند التصويت، وتحويل ذلك كله إلى وجاهة يستعملها في قضاء مآربه الشخصية، وسلعة يبيعها لمن أراد حسب الثمن الذي يعرض لشرائها، وتضييعه النهار والليل في اللف على الوزارات ومقابلة رجال الدولة، يرجوهم في نقل موظف أو تعيينه أو ترقيته أو نحو ذلك من الشئون الخاصة، وينسى بذلك أول واجب عليه، وهو أنه يمثل الأمة لا بلدته ولا مركزه ولا فلانا وفلانا. (3)
كذلك من أهم ما يفسد البرلمان لعب التيارات الخفية التي توحي باتجاهات خاصة للظروف والمناسبات والملابسات، ومحاولة صياغتها في شكل مصلحة عامة طاهرة بريئة، فالبرلمان الحق هو الذي يرعى مصلحة الأمة وحدها، ويدرس المسائل كما يدرس القاضي قضيته، كل شيء فيها على المكشوف، المدعي يدعي دعواه والخصم يفندها، والقاضي يقدر قول الخصمين التقدير القانوني العادل، وينطق بحكمه بناء على ذلك فقط، فإن هو راعى تيارات خفية من وجاهة أحد المدعين، أو أي اعتبار آخر غير ما ذكرنا، كان قضاؤه فاسدا، وبعث بذلك الفزع في نفوس المتخاصمين، فكذلك الشأن في البرلمان، ما لم يدرس مسائله على المكشوف، ولم تلعب به التيارات الخفية، وما لم يتجرد من كل اعتبار إلا مصلحة الأمة، فبرلمان مزيف.