تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والصداقة الصادقة علامة في الأخلاق؛ إذ هي امتزاج الأرواح، وتعانق النفوس، وفيض من إخلاص، ودرس في التضحية، ومن تهيأت نفسه للصداقة تهيأ للخير يفيضه على الناس.

وأدنى حدود الصداقة أن يسوءك ما يسوء صديقك، وأن يسرك ما يسره، وأعلاها ألا تعد نفسك شيئا بدونه، ولا يعد نفسه شيئا بدونك، وأن ينبض قلبك بما ينبض به قلبه، وأن تتناغم مشاعرك ومشاعره.

الفصل الأربعون

| الحياة النيابية

ها نحن في مصر نبدأ حياة نيابية جديدة ببرلمان جديد، فمن الواجب أن نتحدث ونكثر الحديث عن هذه الحياة وواجبنا نحوها، وآمالنا فيها، وما ينتابها من عيوب، وما يصادفها من عقبات؛ وأهم ما يقوم به البرلمان أعمال ثلاثة: (1)

مراقبة الحكومة في أعمالها: فالوزراء يقومون بأعمال الدولة، ولكنهم قد يصيبون وقد يخطئون، فواجب كل حزب وكل عضو في البرلمان أن يتتبع أعمال الوزراء في وزاراتهم، ويدرس ما يعملون، ويكون رأيا في تصرفاتهم؛ أأخطأوا أم أصابوا، فإن رأى خطأ استفسر عنه وبحثه مع أهل الاختصاص، فإن اقتنع بعد كل هذا بخطأ الحكومة رفع صوته في البرلمان بنقدها؛ مثال ذلك: أن عضوا بلغه سوء حال التموين في بلد، وحصول الظلم في التوزيع، فليبحث ذلك، وليسافر إلى حيث يقع الظلم، وليتحقق مما قيل، وليجمع الأدلة والبراهين على هذا الظلم، ثم ليتكلم في صراحة، وليستمع للرأي المعارض، فإن تبين الحق بجانبه وجب على الحكومة أن ترفع هذا الظلم وإلا صوت البرلمان ضدها وأسقطها.

والفكرة الأساسية في هذا البرلمان معناه حكم الشعب نفسه بنفسه، فكل له نصيب في الحكم: هذا عن طريق العمل، وهذا عن طريق المراقبة والإشراف، فإذا شعر المنفذ أن وراءه قوة كبيرة تراقبه فتح عينيه وتحرى العدل وخشي الحساب العسير، فسارت العدالة في الأمة سيرا حسنا، وإلا تخلت الحكومة عن الحكم لمن يقوم بصالح الأمة خيرا منها. (2)

والأمر الثاني: تشريع القوانين: وذلك أن الأمم في تطور مستمر، والنظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في حركة مستمرة، فلا بد أن يتنبه البرلمان والحكومة لكل ما يجري حولها، وتواجه كل ما يعرض من المسائل الهامة بتشريع جديد.

إن حالة الأمة كحالة السيارة يجب أن نصلحها إذا فسدت، ونغيرها إذا تلفت، ونأتي بنوع جديد منها إذا أدى أغراضا خيرا من النوع القديم، وكل أمة لها تشريع يناسبها؛ فالتشريع في البلاد الزراعية غيره في البلاد الصناعية، وفي البلاد الغنية غيره في البلاد الفقيرة، وفي البلاد التي قطعت شوطا بعيدا في المدنية غيره في البلاد نصف المتمدنة، وهكذا.

والمسئول عن التشريع الصالح في البلاد الحكومة والبرلمان معا، والمصدر دائما هو البرلمان، وواجبه أن يتعرف ما يناسب الأمة وما لا يناسب، وما هي في حاجة إليه من التشريع وكيف يكون، وهذا عمل هام من أعمال البرلمان؛ لأن كل إصلاح في الأمة يرجع إلى التشريع، كيف يوضع، وكيف يسار فيه حتى يحقق الغرض منه وهكذا؛ إن أردت مكافحة الأمية أو معالجة الفقر أو إصلاح الزراعة أو ترقية التعليم أو القضاء، وجب التشريع لكل ذلك، وكلما قطعت الأمة مرحلة من مراحلها ودخلت في مرحلة جديدة وجب أن يسايرها التشريع المناسب؛ فقد كنا ننظر - مثلا - إلى التعليم على أنه من واجب الآباء، إن شاءوا علموا أبناءهم وإن شاءوا أهملوا، ثم ارتقت الأفكار وأصبحنا نرى أن واجب الحكومة أن تزيل الأمية بتاتا، وأن من لم يطع يعاقب، فكان لا بد من تشريع جديد. (3)

الأمر الثالث: الإشراف على ميزانية الدولة: وذلك لأن المال عصب الحياة، ووسيلة الإصلاح في كل ناحية من نواحيها، فإن أردت التعليم فبالمال، وإن أردت الجيش فبالمال، وكذلك الشأن في أمور الزراعة والأشغال والتجارة وما إلى ذلك، فمن غير المال الكافي تشل حركة الحكومة، ويستحيل أي ضرب من ضروب الإصلاح، ومن أجل هذا كان من أهم أعمال البرلمان الإشراف على ميزانية الدولة، فبهذا الإشراف يتحكم البرلمان في كيف يجمع المال من الضرائب وغيرها، وكيف ينفق.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٤٩