والصداقة كالبذرة توضع في الأرض، فإن صادفت تربتها الصالحة، وغذيت الغذاء الصالح، وتعهدها صاحبها بما يناسبها، كبرت ونمت وصارت شجرة يانعة، وإلا ماتت في مهدها أو في أثناء نموها؛ كذلك الصداقة قد تكون بنت ساعة، وبنت شهر، وبنت سنة، في المواقف الحرجة، ولا شيء يسمم الصداقة كشعور الصديق بأن صديقه يستغله، ويصادقه لمنفعته هو، فيوم يأتي دور التضحية ينفض يده! وأبعد الناس عن الصلاحية للصداقة من كان أنانيا يتخذ الصداقة وسيلة من وسائل التجارة. •••
ثم هذه الصداقة درجات كدرجات السلم؛ تبتدئ بالمعرفة، ثم رابطة العمل؛ كالرابطة بين الموظفين في مصلحة أو محل تجاري، أو الرابطة بين أعضاء حزب سياسي، أو أعضاء جمعية من الجمعيات لتحقيق غرض، فإذا زال الغرض زالت الرابطة، وهكذا تتدرج حتى تصل إلى أن تصبح نفس الصديقين نفسا واحدة في جسمين، هي فوق المنافع المادية، وفوق تحقيق الأغراض، وإنما هي غذاء الروح، وسراج الحياة، وملء فراغ النفس، حيث لا يملأ بدونها.
والناس يختلفون في الاستعداد لدرجات الصداقة، وذلك بمقدار استعدادهم للتعاطف، فمن حرم التعاطف حرم الصداقة، ولم يكن له إلا معارف؛ ولذلك نرى الماديين الجشعين لا يتذوقون الصداقة، ولا يفهمون لها معنى إلا أنها وسيلة من وسائل الكسب كدفع العربون، وقبض الفوائد، وكلما أمعن الإنسان في التعاطف كان أقرب إلى تذوق الصداقة بمعناها الصحيح.
كذلك من أبعد الناس عن تذوق الصداقة المتشائمون الذين لا يرون في الوجود ما يستحق التقدير، ولا في الناس من يستحق الإعجاب، فهؤلاء لا يرون صديقا يبادلونه حبا بحب، ولكن يريدون سميعا يسمع شكواهم ووصف آلامهم، وسبهم للدنيا وما فيها، وأكثر استعدادا للصداقة من تفتحت نفسه، وتفتح العالم أمام عينيه، ورأى في الوجود شرا قليلا وخيرا كثيرا، وأنه مملوء بوسائل السعادة، وعلى رأسها الصداقة. •••
وكثير هم الذين نعرفهم، ووسائل التعارف يسيرة متعددة، في القطارات وفي المجتمعات ولأدنى المناسبات، ولكن قليلا من هذا التعارف هو الذي ينضج بكثرة الاختلاط وبمعرفة المزاج واكتشاف النفوس، فيتحول من معرفة إلى صداقة.
وأثر الصديق في الصديق كبير، وهذا الأثر يختلف باختلاف قوة الشخصية في كل من الصديقين؛ فقد يكون أثر أحدهما أكبر من أثر الآخر؛ لأن الأول أكبر شخصية والثاني أكبر تأثرا، ثم قد يكون للشخص الواحد جملة أصدقاء مختلفين كل الاختلاف، وذلك عندما يكون للشخص نواح متعددة؛ فهذا صديق تربطه به الناحية العقلية والفكرية، وهذا صديق آخر تربطه به ناحية الشعور الوطني، وهذا صديق ثالث تربطه به ناحية مادية أو ناحية الاشتراك في متعة من متع الحياة، وهكذا، وهذا هو السبب في أنه ليس من اللازم أن يكون صديق الصديق صديقا؛ لأن الصديق المشترك قد تكون صداقته مع طرف مؤسسة على غرض ليس موجودا في الطرف الآخر. •••
ثم الصداقة لا بد أن تتغذى لتدوم، فإذا انقطعت الزيارات والمقابلات والمحادثات والمكاتبات أمدا طويلا أخذت الصداقة تذبل شيئا فشيئا، حتى تنعدم أو تكاد، وغذاؤها تبادل العواطف وتبادل المشاعر، وتبادل تفتح النفس.
ولا بد لدوامها كذلك من دوام الأساس الذي أسست عليه الصداقة، فإذا أسست على ما بين الصديقين من مزاج أو عقلية أو تحقيق غرض من الأغراض، ثم زال هذا الأساس زالت الصداقة، وهذا يفسر لنا ما يعرض كثيرا من أن صديق الصبا غير صديق الشباب غير صديق الشيخوخة؛ لأن الإنسان في كثير من أحواله يتغير مزاجه، أو تتغير ثقافته، أو تتغير نظرته إلى الحياة، فيرى بطبيعته أن الرباط الذي كان يربطه بصديقه قد تحلل، وأنه محتاج إلى نمط آخر من الناس ليؤلف معه صداقة جديدة.
وبعد، فالصداقة نعمة من أكبر نعم الحياة، ومن رزق صديقا وفيا فقد رزق كنزا ثمينا هو خير من الأخ الشقيق؛ إذ لا قيمة للأخ إلا إن كان صديقا، هو نور في الظلماء، وعدة في البأساء، وأنس من وحشة، وفرجة في كربة. •••