فالإنسان إنما ينجح بتقوية ملكاته الداخلية، وعلمه بالقوى الطبيعية والاجتماعية التي حوله، ثم بانسجامه معها ومعرفته كيف يستخدمها، وإن شئت فاستعرض كل من نجح في الحياة نجاحا حقيقيا، تجد نجاحه بمقدار تطبيقه هذه القاعدة، ولو لم يحسن التعبير عنها. •••
ثم شأن الأمم والحكومات شأن الأفراد، فلكل أمة قواها الطبيعية التي حولها، وقواها المعنوية التي تحيط بها؛ فالأمة الفاشلة هي التي تكون في أرضها معادن لا تعرف كيف تستغلها، وقوى مائية لا تعرف أن تنتفع بها، وأراض زراعية لا تعرف كيف تستخرج منها أغزر ما تنتج وهكذا، ثم حولها ظروف اجتماعية ترتبك في توجيهها، وتحار في التصرف فيها، ليس لها إرادة قوية في التنفيذ، ولا رغبة صادقة في الإصلاح، تسيرها القوى الطبيعية كالريشة في الهواء، وتسيرها القوى الاجتماعية حيثما اتفق! ليست هي إنسانا يمسك بزمام فرسه، ولكنها فرس ملجمة تقاد!
أما الأمة الناجحة فكالرجل الناجح، يدرس قوى الطبيعة، ويعرف أنها لا تتغير ولا تتبدل، ولكنه كالملاح الماهر يعرف متى ينشر شراعه ومتى يطويه، وكيف يسير سفينته وإلى أي اتجاه، يعرف أنه لا قدرة له على تغيير الرياح، ولكن له قدرة على استخدامها في مصلحة سفينته؛ كذلك هذا شأن الأمة الناجحة مع القوى الاجتماعية، ترى الفوضى فتنظمها، وترى الرأي العام ضعيفا فتقويه، وترى الأضرار من بطء الآلة الحكومية فتجددها، وترى ظلما هنا وظلما هناك فتمحوه بالعدل، ولا تكتفي بالوقاية وعلاج الأمراض، بل تبعث في الأمة الحيوية والنشاط؛ وهكذا قانون الفرد وقانون الأمة في النجاح والفشل واحد.
فكر واعمل وابتكر وجاهد وغامر وانتهز الفرصة تنجح، وإلا فالموت أو شبهه.
الفصل التاسع والثلاثون
| فن الصداقة
هل لاحظت مرة جماعة من الموسيقيين يوقعون قطعة موسيقية على آلات مختلفة من عود وقانون وناي ورق، فيتوافق الإيقاع ويتناغم وينسجم، حتى كأن الآلات المختلفة آلة واحدة في ارتفاعها وانخفاضها، وجهارتها ورقتها، وبدئها وانتهائها؟
وهل رأيت مرة نجارا دقيقا يصنع ما يسمى في النجارة «بالعاشق والمعشوق»، فيؤلف بين الأسنان في قطعة ومكان التحامها في القطعة الأخرى، حتى إذا تعاشقتا كونتا ما يشبه القطعة الواحدة، بل أمتن وأقوى؟
تلك هي الصداقة؛ مزاجان متناسبان ولا أقول متحدين، وغرضان متناسبان ولا أقول متحدين أيضا، فلا بد من التنوع؛ كالتنوع بين نغمة العود والقانون، والتنوع بين العاشق والمعشوق، ولكن هذا التنوع يعتمد على ذوقين متشابهين كتشابه ذوقي العواد والقانوني، ولا بد أن يدعم هذا كله بالتناسب في المركز الاجتماعي، واستعداد كل للسير على قانون الأخذ والإعطاء، لا الأخذ من جانب والإعطاء من جانب، فهذه شروط لا بد منها في دوام الصداقة وإلا كانت عرضة للتفكك السريع. •••
ومن التناسب في الصداقة ما نرى من غضوب يصادق حليما، ومرح يصادق رزينا، ونشيط يصادق خمولا، وثرثار يصادق مقلا؛ فإن في هذا تناسبا لا اتحادا؛ كأن كلا يشعر بناحية من نواحي نقصه، أو من نواحي مبالغته، ويجد في الآخر ما يكمل نقصه، أو يحد من مبالغته فتكون الصداقة.
ونلاحظ في الحياة اليومية أن بعض الأشخاص سريع الصداقة، سرعان ما يألف ويؤلف، وأشخاصا آخرين لا يألفون إلا ببطء ولا يؤلفون إلا ببطء، ويرجع ذلك في الغالب إلى طبيعة النفوس؛ فهناك نفوس مكشوفة تعرف بمجرد النظر إليها؛ كالماء الخفيف الصافي يظهر ما تحته، ليس بين ظاهره وباطنه إلا نسيج شفاف لا يحجب ما وراءه، وهناك نفوس غامضة لا يدل ظاهرها على باطنها، وقد سترت بنسيج كثيف، أو غطيت بطبقة سميكة لا تظهر إلا بعد طول المراس، بل كثيرا ما يدل ظاهرها على خلاف باطنها، ومن هذا قد يكره الشخص ثم يحب، ويعادي ثم يصادق؛ لأن نفسه لم تنجل لأول وهلة، إنما تنجلي بالمران والاحتكاك واختلاف المواقف ومواطن الجد التي تظهر النفوس على حقيقتها .