تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لفارقت شيبي موجع القلب باكيا

وسكنا في مساكن الحضارة العصرية، ورأينا الأسرة تسكن في شقة في عمارة قد لا تعرف من جاورها، ولا تتبادل معه تهنئة ولا تعزية، ورأينا المجموعة الواحدة في الحارة الواحدة، بل والأسرة الواحدة نفسها قد انحلت، ورأينا البيت مزودا بالماء وبنور الكهراباء، وبالتليفون والراديو، وبما شئت من أدوات ومخترعات؛ فهل صرنا أسعد حالا؟

الفصل السابع والثلاثون

| التعب العصبي.. والخوف

من الكلمات التي دخلت اللغة العامية حديثا «النرفزة»، و«تنرفز» بمعنى هاجت أعصابه، وهي مأخوذة من الكلمة الإفرنجية (nerves)

بمعنى أعصاب، وليس معنى هذا أن النرفزة لم تكن موجودة ثم وجدت، بل هي موجودة منذ وجد الإنسان، ولكن كنا نسميها سورة الغضب، أو نحو ذلك من أسماء.

وإنما الجديد هو التسمية فقط بالنرفزة، والجديد أيضا أن حياتنا المعقدة المركبة التي خلفتها المدينة الحديثة، وزادت من أعبائها ومسئولياتها، زادت أيضا في هياج أعصابنا، بدليل أن الفلاحين في القرى ومن عاشوا عيشة بسيطة أقل نرفزة من سكان المدن، وأن الطبقة الفقيرة من سكان المدن أقل من الطبقة الوسطى والعليا لقلة مسئولياتها.

والنرفزة أو هياج الأعصاب تنشأ من المجموع العصبي عند الإنسان، والمجموع العصبي يتكون من المخ ومن النخاع الشوكي، وهو المادة الهلامية الموجودة في سلسلة العمود الفقري، ومن ملايين من الخيوط الدقيقة التي تتفرع من المخ ومن النخاع الشوكي، وتصل إلى كل خلية من خلايا الجسم، وهذه الأسلاك أو الخيوط من أهم وظائفها أنها ترسل الإشارات إلى المخ، وتتلقى منه الإشارات، فهي أكبر وأعقد من أي محطة للأسلاك التلغرافية؛ فمثلا: إذا لمس إصبعك شيئا ساخنا جدا فجذبت يدك فمعنى هذا أن خلاياك التي في الإصبع لمست هذا الشيء الساخن، وأرسلت خيوط أعصابك إشارة إلى المخ بما وجدت وما أحست، وتلقت إشارة من المخ بالانسحاب فانسحبت، وكل هذا يحدث في سرعة البرق، وهكذا إذا أردت المشي، أو تحريك يدك، أو الراحة، أو نحو ذلك.

والأعصاب من مخ ونخاع وأسلاك، شيء مادي يرى بالعين أو بالميكروسكوب، ولكن التيار الذي يجري فيها كالتيار الكهربائي لا يرى ولكن يعرف بآثاره.

وتختلف هذه المجموعة العصبية عند كل إنسان عن الآخر، فكما أن كل فرد يختلف في ملامح وجهه، وقوة حواسه، وعضلاته، وبناء جسمه، عن الشخص الآخر قوة وضعفا، وجمالا وقبحا، فكذلك المجموعة العصبية يختلف الناس فيها قوة وضعفا، وهذا ما نشاهده؛ فنرى أشخاصا قويت أعصابهم، فهم يتحملون المسئوليات وأحداث الزمان والشدائد في صبر وثبات، وهناك على العكس من ذلك من تهزهم هزا عنيفا الأحداث الخفيفة والمسئوليات الطفيفة، بل هناك من تهزهم هزا عنيفا أيضا الأوهام المختلفة والخيالات المصطنعة، بل نرى أن الشخص الواحد يكون في حالة من الحالات قوي الأعصاب فيواجه الأحداث العظام في صبر وثبات، ثم تتعب أعصابه لسبب من الأسباب فيواجهها في قلق وجزع وثبات، ثم تتعب أعصابه لسبب من الأسباب فيواجهها في قلق وجزع واضطرب!

بل خذ مثلا الطفل إذا مشى مشيا طويلا وتعب من الحركات، عاد إلى بيته هائجا مضطربا كثير الصراخ كثير البكاء، يتلمس أي سبب للغضب، حتى إذا نام وهدأ قام كالمعتاد هادئا مطمئنا، وكذلك الرجل أو المرأة تتعب أعصابه فيغضب مما لا يغضب منه، ويثور من أجل التافه من الأمور؛ يثور من أجل كسر طبق، ومن أجل قرش صاغ في غير محله، ومن فعلة صغيرة فعلها الموظف الذي معه، ومن زوجته إذا كلمته كلمة في غير محلها، ومن ابنه إذا طلب منه مصاريف المدرسة، مع أن هذه الأحداث نفسها وأكبر منها إذا حدثت وأعصابه غير متعبة قابلها مقابلة عادية ولم يعبأ بها ولم يهج منها.

ومن أعجب ما لاحظه الأطباء في الأعصاب أن هناك سدودا للتيارات التي تمر في الأعصاب، وظيفتها أنها تقلل من قوة التيار حتى يصل إلى المخ هادئا، فإذا ضعفت هذه السدود وصل الانتباه إلى المخ في قوة تسبب اضطرابا، ومثله في ذلك مثل الأسلاك من الرصاص التي تركب في «الكوبس»، ينتقل فيها التيار من الخارج، وإذا زاد التيار احترق الرصاص ليمنع احتراق المنزل بالتيار القوي.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٤٤