تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتضعف هذه الأعصاب بالتعب المضني، وبالكوارث المتتالية، وبالهزات العنيفة المتتابعة، وهذا الضعف على درجات؛ فهو يبدأ بقلق وأرق، ويتدرج إلى عجز عن تركيز الفكر وإظلام نفس، ويزيد إلى يأس شديد وهيجان لأقل الأسباب، وعجز عن الراحة والهدوء، ونحو ذلك.

ومما يلاحظ أيضا أن هذا التعب العصبي يتبعه دائما الخوف، وهذا الخوف يتخذ أشكالا مختلفة حسب ظروف كل شخص، فمن نما عنده الشعور الديني تمثل خوفه في الموت، فهو يخاف الموت ويخاف العقاب بعد الموت، ويخاف الخطايا التي ارتكبها والمعاصي التي وقع فيها في شبابه، وتتجسم هذه المعاني في نفسه، وتكبر حتى تقلق باله وتعكر صفو حياته.

ومن كان شديد الشعور بالمال خاف الفقر؛ إن كان غنيا فألجأه ذلك إلى شدة الحرص والهياج عند كل قرش يصرف، والغضب الشديد عند كل ما يعرض من مطالب مالية، ومن كان رحيما شديد العطف على أولاده ظهر خوفه من هذه الناحية، فهو يخاف على أولاده من الترام والسيارات، ويقلق أشد القلق إذا تغيبوا عن البيت ساعة، وكلما قرأوا أو سمعوا عن حمى أصابت ولدا أو شابا أو شابة مات في ريعان شبابه زاد خوفهم واضطرب حالهم، ومن بلغت سن الزواج ولم تتزوج خافت أن يمر موسم زواجها، وإذا خطبت خافت أن تفشل في زواجها، وهكذا وهكذا الخوف فنون.

وقد يزيد الخوف حتى يكون خوفا من أوهام، فهو يتخيل أن دسائس تحاك حوله، وأن له أعداء يتربصون له، وأن بعض أقربائه يكيد له، وأن له في المصلحة من يفسد الأمر بينه وبين رؤسائه، وهكذا، فيخلق أوهاما يخاف منها، وفي الناس ألوان شتى من هذه المخاوف، وعددهم ليس بالقليل، وكلما عظمت المدنية زادت ضحايا ضعف الأعصاب؛ وخاصة أيام الحروب، فيقول طبيب أمريكي إنه في أوائل الحرب العالمية الثانية كان عدد سكان أمريكا 130 مليونا، وكان عدد ضحايا الأمراض العصبية يقرب من 13 مليونا بين مجنون ومضطرب ومختل التوازن، وقد كان كثيرا جدا عدد الشبان الذين يتقدمون للجندية، فيردون عنها بعد الكشف الطبي عليهم؛ لاختلال توازنهم العصبي. •••

وبعد، فما علاج هذا؟ الواقع أن علاجه في يد الإنسان أكثر من أن يكون في يد الطبيب، وأهم علاج له شيئان، يستنتجان مما وصفنا قبلا:

أولهما:

الراحة الجسمية، فقد رأينا أن الخوف يتبع التعب الذي ينال المجموع العصبي، كما ينال الشخص عقب مجهود كبير بذله، أو تفكير طويل فكره، أو حادثة جليلة هزته.

فهذه الأشياء وأمثالها تضعف المجموع العصبي، وتضعف السدود التي تحجز بعض التيار عن المخ، فإذا استرد الإنسان راحته قويت هذه السدود، كالشأن في الإنسان يتعب ثم ينام نوما عميقا، فيسترد ما فقده من خلايا؛ ومن وسائل هذه الراحة تغيير البيئة والمكان، والرياضة المعتدلة، والرحلات الخفيفة اللطيفة، ونحو ذلك؛ فإنها تفعل في النفوس ما لا تفعله الأدوية، ومن ذلك أيضا عدم التعرض لما يهيج الأعصاب، فمن عرف أن شيئا معينا يهيجه فليبتعد عنه، وليبتعد عن الأوساط التي تخلقه، وليرأف به أهله فلا يسببون له متاعب في النواحي التي يعرفون أنها تقلقه وتزيد اضطرابه، فإذا تمت راحته رأينا أنه قد زال خوفه، وتلك نتيجة طبيعية لما رأينا من أن التعب يتبعه الخوف.

والأمر الثاني:

الإيحاء الذاتي، فهو يفعل في النفوس فعل السحر، فليكرر المريض على نفسه الإيحاء بأن جسمه سليم، وأنه يستطيع التغلب على هذا الخوف، وأن يومه خير من أمسه، وأن غده سيكون خيرا من يومه، وأن ما هو فيه أوهام تزول بقوة إرادته، وليعرف منتحى خوفه فليعالجه من الناحية التي توائمه، فمن كان يخاف الموت، ويخاف ما ارتكب من المعاصي، فليكرر على نفسه أن الله غفور رحيم، وأنه يغفر الذنوب جميعها، وأن ما ورد في القرآن من آيات الرحمة أكثر مما ورد من آيات العذاب، وأن الله أحنى على العبد من الوالد على ولده، فإذا ردد هذه المعاني كلها، وكررها كل يوم، انتعشت نفسه، وأحس أنه يتقدم تقدما عظيما.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٤٥