تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كانت حارتنا مجمعا تتمثل فيه كل الطبقات، من طبقة عليا، وطبقة وسطى، وطبقة دنيا، كان يتزعم الطبقة العليا رجل ذو منصب كبير، وغنى وفير، وكانت له عربة يجرها جوادان فخمان، وذلك قبل اختراع السيارات، فكانت العربة إذا دخلت الحارة دبت الخيل بأرجلها فساد الحارة سكون ووجوم وهيبة ووقار؛ إعلانا بأن «الشيخ» حضر، فلا يصح للأطفال أن يلعبوا في الحارة، ولا يصح للنساء أن يتحدثن من الشبابيك، ولا يصح لخادم أن يضع الكناسة أمام الدار حتى لا يقع عليها نظر «الشيخ»، ولكن إذا خرج الشيخ ملكت الحارة حريتها «فزاطت» الأولاد، وتحدث النساء من الشبابيك، وأبيحت المنازعات والشتائم من الطبقة الدنيا.

والطبقة الوسطى تمثل موظفين في مصالح الحكومة، و«ملتزمين» يعيشون من أملاكهم، ونحو ذلك.

والطبقة الدنيا تتكون من بائعي فواكه على العربات، أو صناع، أو عمال.

ومع هذه الفروق كانت الحارة كلها أسرة واحدة؛ كل رجل في الحارة وكل سيدة تعرف أفراد كل بيت، وأحوالهم، ودخلهم وخرجهم، وإذا مرض المريض عاده أهل الحارة، وإذا أعوز أعانوه، وإذا أصيب عزوه، وإذا تزوج أو زوج هنئوه.

وكانت الطبقة الوسطى في حارتنا طبقة مرحة، عمادها موظف في الأوقاف اتخذ من بيته «منظرة» يجتمع فيها من في طبقته من أهل الحارة كل ليلة، فأحيانا يحضرهم فقيه حسن الصوت يقرأ لهم القرآن الكريم بصوت جميل، وأحيانا يسمرون سمرا لذيذا، وترتفع الضحكات حتى تصل إلى بيتنا.

وكان في حارتنا «عواد» ماهر، يحترف الضرب على العود في «جوقة» تشترك في الأفراح، فكان أصحابه من حين لآخر يجتمعون عنده في بيته بآلاتهم الموسيقية، وينصبون «فرحا» بديعا يوقعون ويغنون إلى ما بعد منتصف الليل، فيملئون الحارة بهجة وسرورا، ولم تكن الفونوغرافات والإذاعات.

ومن حين لآخر يتزوج أحد أفراد الطبقة الدنيا، فيقيمون الأفراح أسبوعا أو أكثر، وفي كل ليلة منظر جديد من أغان بلدية، ومواويل، و«دخول قافية»، وفكاهات ونوادر، لا يتحرج فيها أحيانا من المجون المكشوف ولا النكت اللاذعة، فكان كل هذا معرضا أمامي، استطعت أن أعرف منه حالة البلد الاجتماعية ودقائقها، من غير قصد مني، ولا وعي، ولا شعور.

وكنا أطفالا نجتمع في الحارة فنلعب الكرة على أشكال، ونلعب «البلي»، ونلعب القمار أحيانا بزهر النرد، ونتسابق في الجري، وكنا ديمقراطيين بالمعنى الصحيح، نتصادق من غير أن يفرق بيننا غنى الغني أو فقر الفقير، فمنا المتأنق في ثيابه، ومنا الحافي القدمين، ومنا مهلهل الثياب، فلا نقيم لذلك كله وزنا، وإنما نقيم الوزن للمهارة في اللعب.

ولست أنسى في حارتنا مظهر السقائين يحملون القرب على ظهورهم، ويروحون ويجيئون منادين على «الماء»، والقربة من الماء العذب بخمسة مليمات، ومن الماء المالح بمليمين، والحساب بالشهر، ولا أنسى العراك عند الحساب؛ فهي تقول إنها أخذت عشرين قربة، وهو يقول خمسا وعشرين، ونفدت كل الحيل في ضبط الحساب؛ فأحيانا يخط السقاء خطا على الباب كلما أحضر قربة، ولكن هذه الطريقة عرضة لأن تمحو الغشاشة خطا أو خطين، وأحيانا يتبع السقاء طريقة أخرى بأن يعطي للسيدة ثلاثين خرزة ويأخذ ثمنها، وكلما أحضر قربة أخذ خرزة حتى يستنفدها، فتشتري السيدة خرزا آخر، ولكن هذه الطريقة أيضا عرضة لغش من نوع آخر، وهي أن تشتري الغشاشة خرزا من الخارج وتغالط السقاء.

وظلت هذه المشكلة قائمة من غير حل حتى رأيت الحفارين يحفرون الأرض ويمدون المواسير خارج البيت وداخله، ويركبون الحنفيات، وإذا الماء في كل بيت، وإذا بالسقائين يختفون من المسرح، وتحل المشكلة باختفائهم.

وراحت الأيام وجاءت الأيام، وتركت الحارة حاملا لها أجمل ذكرى لأجمل أيام الصبا، وأنشدت مع المتنبي قوله:

خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصبا

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٤٣