تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكثيرا ما يحدث أن أبي وأولاده الذكور يأكلون وحدهم ويأكلون أولا، وتأكل الأم مع بناتها وحدهن ويأكلن ثانيا، وليس للأم أن تخرج من الدار إلا بإذن، وليس لأحد من الأبناء أن يتأخر عن البيت بعد الغروب، والعقوبات على المخالفات كثيرة من تأنيب وتهديد وشتم، فإذا كان الذنب كبيرا فالضرب، وقد احتفظ أبي (رحمه الله) بعصا من جريد النخل، أعدها لهذا اليوم الأغبر الذي تقع فيه جريمة كبيرة من أحدنا؛ كأن يتأخر عن الموعد، أو يدنس ملابسه، أو نحو ذلك، وحينئذ لا يصح للأم أن تتدخل بيننا وبين أبينا، وإلا نهرها وزاد في عقوبتنا. •••

والحياة كلها جافة جادة، فلا سينما إذ لم تكن سينما، ولا حديثا لذيذا على المائدة أو في مجالسنا، وإنما كانت متعتنا أن كانت لي جدة - هي أم أمي - كانت تزورنا من حين لآخر، وتبيت عندنا يومين أو ثلاثة، وكانت (رحمها الله) كنز حكايات و«حواديت»؛ فكانت تقص علينا قصصا لذيذا ممتعا طويلا، وكنا نأنس بذلك كل الأنس، ونفرح لمجيئها كل الفرح، وكان كنزها هذا لا يفنى، فما تأخذ في حكاية حتى تنظمها في أخرى إلى أن يغلبنا النوم.

وأحيانا كنا نجلس مع أمنا وأخواتنا، فيقرأ علينا أخونا الأكبر كتبا قصصية؛ كعنترة وألف ليلة، فنستمتع بقراءته، أما أبي فليس لديه إلا الجد، يعلم إخوتي ويحفظهم القرآن والنحو ويفقههم في الدين، فكان أبي جادا شديدا تخاف منه، على رحمته التي يخفيها ولا يظهرها إلا عند مرض المريض وبعد المسافر، وكانت أمي رحيمة تلطف رحمتها من شدة أبي وإمعانه في الجد.

وأحيانا نحتال فنذهب إلى ملهى على باب حارتنا اسمه «خيال الظل»، وهو الذي حلت محله «السينما» اليوم.

ولست أنسى مرة سمعت رجلا يضرب على الدف، وينشد أناشيد في مدح النبي، وكان توقيعه جميلا وصوته جميلا، وهو يتنقل في الحارات يغني ويوقع، ويستعطف الناس للإحسان عليه، فأعجبني صوته وتوقيعه، فتبعته من حارة إلى حارة حتى انتهى، فعدت إلى بيتنا بعد الغروب، فكان جزائي ضربا شديدا، ولو أنصف أبي (رحمه الله) لقبلني لعاطفتي الفنية.

هذا النوع من الأسرة، وهذا الضرب من الحياة، قد تغير الآن كل التغير، فإن بقي منه شيء ففي سبيل الفناء؛ فقد اتجهت الأسرة إلى الديمقراطية، وأصبح للأم سلطان، وللأبناء سلطان، وللبنات سلطان، ونقصت سلطة الآباء حتى أصبحت موضوع الرثاء، وخرج الأبناء والبنات إلى السينما والتمثيل، ووجدت في الأسر المباهج المختلفة والمسرات المتنوعة.

لقد كانت تربيتنا قاسية عنيفة، فكان من أثرها الذي نشعر به خجل قبيح، وضعف في الحرية الشخصية، وقلة ابتهاج بالحياة، وزهد في متعها، وعدم تفتح النفس لمسراتها، وكان أبي يكثر من ذكر الموت وحقارة الدنيا، فأكسبنا هذا لونا من الحزن والقناعة في طلب المجد، ولكن بجانب ذلك علمنا الجد في الحياة، والصبر على المكاره، والترفع عن صغائر أمور الدنيا؛ لأن كبارها قليلة القيمة.

على حين أن التربية الحديثة في الأسرة الحديثة فتحت النفس للحياة، وعلمت الاستمتاع بمسراتها، وحققت للأفراد شخصيتهم، وعودتهم الطموح للمجد، ولكن نلاحظ في كثير من الأسر ميوعة في السلوك، وقلة احتمال للشدائد، وعدم الجد في الحياة، والاستهتار في اللذائذ! فلئن كانت تربيتنا في زمننا ناقصة فالتربية الحديثة ناقصة، وما كسبناه في ناحية خسرناه في ناحية، ونحن أحوج ما نكون إلى تربية تجمع مزايا تربيتنا القديمة وتتجنب رذائلها، وتجمع مزايا الحياة في الأسرة الحديثة وتتجنب رذائلها. •••

لقد كانت حياة أسرتنا القديمة خبزا بلا مربى، فأصبحت حياة أسرتنا الحديثة مربى بلا خبز ... فمتى نستطيع إصلاحها حتى تكون مربى بخبز؟

استفد من تجاربي! (2) راحت أيام ... وجاءت أيام

أثر في - إلى جانب بيتي وأسرتي - حارتنا وكتابنا؛ فأما حارتنا فكانت من طراز القرون الوسطى وعصر المماليك، نحو عشرين بيتا يغلق عليها باب كبير. وفي هذا الباب الكبير باب صغير يفتحه البواب لمن أتى متأخرا في الليل، وكان هذا هو الغالب على حارات القاهرة، وكان الباب ضروريا للحياة الاجتماعية إذ ذاك؛ لكثرة الشغب والهجوم من اللصوص ليلا، فكانت الحارة تحمي نفسها بباب وبواب، تغلقه في المساء، وتفتحه في الصباح، وقد شهدت مصرع هذا الباب يوم انتشر الأمن، ونظم الحراس والخفراء.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٤٢