تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من الدروس الأولى التي تعلمتها، أني لم أخرج إلى هذا الوجود صحيفة بيضاء، كما كان يظن القدماء، بل كثير من صفات أبوي وأجدادي وما حدث لهم قد نقشت في صحيفتي؛ سواء في ذلك الصفات الجسمية أو العقلية أو الخلقية.

ولأضرب لك مثلين، كان لهما أثر سيئ في حياتي:

أحدهما:

أني وأنا حمل في بطن أمي كانت لي أخت، فتاة في الثانية عشرة من عمرها، كلفتها والدتي ووالدتها أن تصنع قهوة لضيوفها، فما أشعلت النار في «السبيرتو» حتى التهب، وأصابها في شعرها، ثم في وجهها، ثم في ملابسها وجسمها، فصرخت، ثم أدركوها وهي شعلة نار، ولم ينفع فيها إنقاذ ولا طب ، وأسلمت روحها لخالقها، فقضيت أشهرا تعيسة في بطن أمي أتغذى بدمها الحزين، وتتكون أعصابي من أعصابها المحطمة، ويتحول بعض جسمي إلى دموع مسفوحة، وآهات مضنية، ثم ولدت في هذا الجو الحزين، لم أشاهد أول ما شاهدت ضحكة ولا ابتسامة، بل كان حزن وسكون ودموع وضنى.

هل كان لهذا الحادث أثر في نفسي؟ وهل كان ما أجد في كل حياتي من حزن عميق، وميل إلى الغناء الحزين والمنظر الحزين، وتفضيل المأساة على الملهاة، هل كان مرجع ذلك كله إلى هذا الحادث؟ قد يكون، وقد يكون أحد الأسباب غذته الأحداث والتربية التي لم تمح أثره ولم تصلح فاسده؛ ولهذا كان القدماء على حق في أن ينصحوا الحامل أن تنظر إلى الصور الجميلة، وأن تحيط نفسها بالمناظر السارة والأحاديث المفرحة.

والحادثة الثانية:

أني ورثت من والدتي (رحمها الله) قصرا في النظر، أتعبني في حياتي، وقد عالجته أخيرا بالمنظار، فلم يكن فيه الغناء الكافي، وكم فوت علي قصر النظر من فوائد، وأوقعني في مآزق، وأخجلني في مواقف، وأربكني في التصرف، وكان له أثر في أخلاقي. •••

وزاد في الحادثين سوءا أن التربية كانت عندنا - وما تزال - متروكة للمصادفة، ولو كانت تربية صحيحة لدرست فيها شئون كل طفل وشئون أسرته، وعرفت أمراضه ومنشأها، ووضعت لها طرق العلاج الصالحة لها.

لو كانت تربيتي صحيحة لاكتشفت أعراض الحزن في الحالة الأولى، وعولجت من الناحية النفسية علاجا صحيحا، وعودني المشرفون على تربيتي أن أتذوق السرور كما أتذوق الحزن، وأن أنعم بالحياة كما ينعم بها صحيح الأعصاب صحيح النفس، ولعولج قصر نظري من أول الأمر - كما يقتضيه العلم - فخفف من حدته إن لم يستطع أن يذهب بالمرض كله.

كم تستطيع التربية أن تصلح من فساد وتعالج من مرض، ولكن كل شيء عندنا متروك للمصادفة؛ زراعة الزارع، ومالية التاجر، وسياسة الأمة، القاعدة عندنا «كل شيء حيثما اتفق»، وعند غيرنا «كل شيء حسبما وصل إليه العلم الحديث». •••

استفد من تجاربي بأن تؤمن بقانون الوراثة، فتسير في عملك على وفقه، فليس يصح أن يتزوج قصير النظر من قصيرة النظر، ولا مصدور من مصدورة، ولا ضعيف القلب من ضعيفة القلب.

وأن تؤمن بالبيئة وأثرها في الإنسان، فتحيط نفسك بخير بيئة ما أمكنك، وأن تؤمن بالتربية فتعالج بها المرض، وتكمل بها النقص، فلكل داء دواء من التربية متى أجيد فهمها.

وأن تؤمن بالعلم وتحله في حياتك محل المصادفة وترك الأمور حيثما اتفق، فقد أصبح بناء كل شيء على العلم هو دعامة المدنية الحديثة وشعار التقدم الإنساني. (1) حياتنا مربى بلا خبز!

في السنين الخمس الأولى من حياتي كان يقوم على تربيتي أسرتي وحارتي، فأما أسرتي فكانت أبا وأما وإخوة وأخوات فقط، فهي من هذه الناحية من خير الأسر، فلا أهل للأب ينغصون حياة الأم، ولا أقارب للأم ينغصون حياة الأب، فليس هناك نزاع بسبب الأقارب يفسد على الأسرة سعادتها كما يحدث في كثير من العائلات.

ولكن كانت أسرتنا أسرة أبوية؛ أي إن الأب فيها هو السلطان الأعظم والحاكم المستبد، ولا شيء للأم ولا للأبناء والبنات؛ فالأب بيده المال، وبيده وضع الميزانية، بل هو الذي يتحكم فيما نأكل كل يوم وصنفه، ولا يحدث شيء في البيت من غير إذنه، والأم والأولاد ليس عليهم إلا الطاعة من غير جدال.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٤١