تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كل إنسان في الدنيا يضع على عينه منظارا حقيقيا أو مجازيا، وأكثرنا مع الأسف يلبس منظارا أسود يريه كل شيء أسود؛ فإذا نظروا إلى الأشياء نظروا معايبها ولم ينظروا إلى محاسنها، ولم يعجبهم حاضرهم، ورأوا السعادة في غير ما هم فيه؛ ولذلك يكثرون من إذا ... ولو ... ولعل ... وعسى ... ولو حصل كل ما يتمنون ما زادوا شيئا، وما تغيرت حالتهم ما دامت على أعينهم هذه النظارات، وتغييرها بنظارات بيضاء ترى الحياة على حقيقتها، وترى الدنيا مملوءة بالمسرات، مع قليل من الأحزان وكثيرا من النعم مشوبة بقليل من النقم، وهذه الأحزان وهذه النقم قليلة القيمة إذا تسلح الإنسان بالشجاعة في مقاومتها، وفي استطاعة الإنسان أن ينصب في نفسه سرادقا كبيرا، إما لمأتم كبير أو لفرح كبير.

ويخطئ كثير من الناس فيظن أن الابتهاج بالحياة معناه اللذة الحادة الجامحة، ويظنون السعادة في الإفراط في الملاهي على اختلاف ألوانها؛ إما في سكر مفرط، أو غشيان دار من دور اللهو الخليعة أو نحو ذلك، وليس هذا ابتهاجا بالحياة، وإنما هو إبادة للحياة، وهذه اللذات الحادة كنار القش تلتهب سريعا وتخمد سريعا، وقد يكون من أضرار التهابها وآلامها ما يساوي أضعاف لحظات لذتها.

إنما نعني بالابتهاج بالحياة موقف النفس إزاء الحياة، والاستمتاع بها استمتاعا معتدلا لا إفراط فيه ولا تفريط ... نريد بها حالة من أحوال النفس تهيئ ذوقا للاستمتاع بمحيطنا استمتاعا أطول ما يمكن وأقوى ما يمكن، استمتاعا يقوينا على الجد في الحياة، ويجعلنا أقدر على إسعاد أنفسنا وإسعاد من حولنا، أما اللذات الحادة الوقتية فلذات وهمية يتبعها من الألم أكثر مما تستوجب من اللذة.

إن راحة الضمير، ولذة العقل، ولذة الروح، ولذة النفس، واللذة التي يشعر لها المرء أنه مصدر للخير يشعه على الناس كما تشع الشمس ضوءها، كل ذلك ابتهاج بالحياة لا يعادله التمرغ في اللذات الدنيئة الوقتية التي تسبب لذة عارضة تعقبها حسرات دائمة.

الفصل السادس والثلاثون

| استفد من تجاربي

ميزة إنسان على إنسان وأمة على أمة، هي القدرة على الاستفادة من التجارب وعدمها؛ فالحادثة تحدث أمام جمع من الناس فيستفيد منها أحدهم بمقدار مئة، وآخر بمقدار خمسين، وثالث تمر منه الحادثة على عين بلهاء، لا يستفيد منها شيئا.

عند الإنجليز مثل يقول: «إن العاقل له عينان تبصران، أما الأبله فله في وجهه تجويفان».

وكم من الناس من لهم أعين، ولكن لا يبصرون بها، وآذان ولكن لا يسمعون بها.

إنك قد تستطيع أن تفتح عينيك على كتاب وتقرأ كلماته، ولكن لا تعي منه شيئا ولا تفهم شيئا إذا كان عقلك غائبا، فلا فائدة في النظر من غير ملاحظة، ولا في التجارب من غير عقل.

وأنت في شبابك تستطيع أن تمرن عينيك وأذنيك وجميع حواسك على أن تربطها بالعقل، فتلاحظ وتجرب وتستفيد من الملاحظة والتجربة.

والفرق بين من يستفيد من التجربة ومن لا يستفيد، أن الأول يستطيع بتجاربه أن ينتهز الفرص في حينها، وأن يتجنب الخطر قبل وقوعه، على حين أن الثاني لا ينتهز فرصة، ولا يشعر بالخطر إلا بعد وقوعه.

إنك تقرأ كتب التاريخ لتستفيد من أعمال الناس، وما وقع لهم، وما صدر منهم، وما كان من نتائج أعمالهم، وتقرأ سير العظماء لتتشبه بهم، وتدرك موضع عظمتهم، وتقرأ الطبيعة والكيمياء لتستفيد من استكشاف من قبلك لقوانين الطبيعة، فالحياة كلها تجارب واستفادة من التجارب.

إنك الآن في شبابك تختزن معلومات من كل ما تسمع وترى وتقرأ، فمن الخير أن يكون مخزنك أنظف ما يكون وأثمن ما يكون، وأن يكون أشبه «بدكان» تاجر الجواهر الثمينة، ليس فيه شيء رخيص، ولا شيء تافه، ثم اجتهد بعد ذلك أن تستخدم هذا المخزن خير استخدام. •••

والآن أقص عليك شيئا من تجاربي لعلها تنفعك:

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٤٠