تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحدث في الحرب العالمية الأخيرة أن عميد معهد علمي في بيروت، وهو أمريكي الجنس، فقد ابنه في الحرب، فذهب بعض أصدقاء الأسرة من بيروت يعزونه حينما قرأوا الخبر في الجرائد، فاستقبلهم الرجل وزوجته بالبشر والترحاب على عادتهما، وأخذ الجميع يتحدثون في المسائل العامة والجو وما إلى ذلك، كأن لم يحدث شيء، فشك الزائرون في صحة الخبر، ولم ينبسوا بكلمة في العزاء، حتى إذا انصرفوا تأكدوا من صحة الخبر!

وهكذا من كثير من الحوادث والأخبار التي تدل على اعتدال في المزاج وضبط للنفس، وأخذهم بمبدأ مات الميت فليحيى الحي، ولعل من الأسباب في ذلك أنه قد مضى علينا قرون طويلة من غير أن ندخل حربا، فأصبحنا نستعظم الموت ونبالغ في نتائجه، والأمة الحربية عادة لكثرة ما تلاقي من الشدائد وويلات الحروب ونكباتها تعتاد أحداث الموت، وتتلقى الكوارث بصبر وثبات.

إن الابتهاج بالحياة فن من الفنون جهلناه، فأصبحت حياتنا كالماكينة التي وضع جزء منها في غير موضعه، فسبب ذلك خراب الماكينة كلها وضوضاءها في سيرها وعدم انتظامها، والذنب ذنبنا لا ذنب أي شيء آخر؛ خذ - مثلا - الأسرة، فكل أسرة غالبا لها أوقات فراغ تقضيه في البيت مجتمعة، وهذا الوقت عند الأمم الراقية من أسعد الأوقات؛ يقضونه إما في حديث ممتع، أو في لعب فنية، أو نوادر طريفة، أو (فوازير) جميلة، فتنتعش بذلك النفس وتبتهج الحياة، وينسى كل فرد ما لقيه من متاعب عمله خارج البيت، فماذا نصنع نحن في مثل هذا الوقت؟ لم نتقن فن اللعب الظريف ولا النوادر اللطيفة، وإنما أتقنا فن المشادة والغضب لأتفه الأسباب، وتنغيص الحياة بما لا يحصى ولا يعد من أسباب!

إن أهم ما في الحياة معرفة طرق المعيشة، وكان من الطبيعي وقد كانت حياتنا أعز شيء علينا أن نبذل جهدا كبيرا في البحث عن أسباب سعادتها والابتهاج بها، فإذا خرجنا عن الأسرة إلى الحياة خارج البيت وجدنا الرجل يضيع أكثر أوقاته في الجلوس على مقهى ولعب شطرنج أو نرد أو نحو ذلك، أو جلس مع أصدقاء يتحدثون حديثا سخيفا في العلاوات والدرجات، وتركوا أسرتهم تضيع الوقت أيضا في توافه الأمور، فلا الرجل يفكر كيف يسعد أهله، ولا المرأة تفكر في كيف تسعد أسرتها، وقل من استفاد من الحياة كما ينبغي، فلا المناظر الطبيعية الجميلة تجذب أنظارهم، ولا القراءة اللذيذة الممتعة تستدعي انتباههم، ولا تخصيص وقت للخدمة الاجتماعية العامة تنال حظا من أوقاتهم؛ فمن أين يفرحون، وبأي شيء يبتهجون؟

فالحق أن الحياة رواية في استطاعة الإنسان أن يجعلها رواية ضاحكة مبتهجة، وأن يجعلها مأساة حزينة مكتئبة.

إن أهم سبب في الابتهاج بالحياة هو أن يكون للإنسان ذوق سليم مهذب، يعرف كيف يستمتع بالحياة، وكيف يحترم شعور الناس ولا ينغص عليهم، بل ويدخل السرور على أنفسهم، فالذوق السليم قادر على استجلاب القلوب وإدخال السرور على نفس صاحبه ونفس من حوله، وكما قال قائل: «ما تريد نيله بالتخويف والإرهاب يمكنك أن تناله بالابتسام».

تصور أسرة ساد فيها الذوق السليم؛ نرى كل فرد فيها يتجنب جرح إحساس غيره بأي لفظ أو أي عمل يأباه الذوق، بل إن ذوقه يرفعه إلى حد أنه يتخير الكلمة اللطيفة والعمل الظريف الذي يدخل السرور على أفراد أسرته؛ إن الذوق السليم في البيت يأبى النزاع، ويأبى حدة الغضب، ويتطلب النظام وحسن الترتيب، والاستمتاع بجمال الزهور وجمال النظافة وجمال كل شيء في البيت، فلسنا مبالغين إذا قلنا إن رقي الذوق أكثر أثرا في السعادة من رقي العقل.

إن الذوق إذا رقي أنف من الأعمال الخسيسة، ومن الأقوال النابية، ومن الأفعال السخيفة، والذوق السليم إذا رقي في الأمة رقى موسيقاها ورقى أغنانيها ورقى رواياتها وتمثيلاتها، وكل هذه مباهج للحياة تزيل غمومها وهمومها، ولو استطعت لجعلت جزءا كبيرا من مناهج التعليم في المدارس لتربية الذوق بجانب المناهج المكتظة بتربية العقل.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٣٩