تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن الحكمة والعقل ألا يجمع الإنسان على نفسه بين الألم بتوقيع الشر، والألم بحصول الشر؛ فليسعد ما دامت أسباب الحزن بعيدة عنه، فإذا حدثت - لا قدر الله - فليقابلها بشجاعة وحكمة واعتدال.

إن الرجل المبتهج بالحياة يزيده الابتهاج بالحياة قوة، فيكون أقدر على الجد وحسن الإنتاج ومقابلة الصعاب، من الرجل المنقبض الصدر الممتلئ بالهم والغم، وكما أن كل عادة تكتسب بالتمرين، فالصانع يكتسب صناعته من التمرين، والموظف يتقن عمله بالتمرين، والنظافة والقذارة حسب الاعتياد، والأخلاق الفاضلة أو الرذيلة حسب الاستعداد، فكذلك الشأن في مقابلة الحياة بالحزن والألم، أو الابتهاج والسرور.

وما الحياة؟ مرحلة عابرة لا تستحق أن ينغص الإنسان على نفسه فيها بكثرة الألم، وكل ما يطلب من الإنسان فيها أن يقضيها على أحسن وجه مبتهجا مسرورا فعالا للخير، يشعر بالفرح لفرح الناس، وبالخير يصلون إليه، ويبتهج بجمال الطبيعة وجمال ما فيها، فإن صادفه ما يؤلم نحاه جانبا إن أمكنه، ورضي مطمئنا بما لم يمكن تغييره، وبهذا يعيش عيشة راضية، عيشة سعيدة موفقة.

إن أردت أن تعرف شيئا صحيح هو أو فاسد؛ سواء كان هذا الشيء عادة من العادات، أو خلقا من الأخلاق، أو فنا كأدب أو موسيقى أو تصوير، فانظر هل هو مما يزيد الحياة قوة، ويكسب الحياة صحة، فاحكم عليه - إذن - بأنه عمل نافع وفن نافع، وإن كان يضعف الحياة ويجعلها مريضة فاحكم عليه - إذن - بأنه عمل ضار وفن ضار، ولا شك أن الهم والاستسلام للحزن، والخوف من توقع المكروه، والإفراط في تقدير الآلام، مما يضعف الحياة ويضعف الإنتاج، ويزيد الآلام والبؤس والشقاء.

فحارب الكآبة في نفسك، وابتسم للحياة وابتهج بها في غير إسراف، تزد حياتك قوة، وتشعر بالسعادة، وتشعر بها من حولك.

الفصل الخامس والثلاثون

| الابتهاج بالحياة (2)

أكرر القول بأن حياة الناس في الشرق يغلب عليها طابع البؤس والحزن، إذا قارناها بالحياة في الغرب، وأزيد اليوم القول بأن من أسباب ذلك أن عواطفنا حادة لا معتدلة؛ فنحن نبالغ في الغضب إذا غضبنا، ونبالغ في الحزن إذا حزنا، ونبالغ في الفرح إذا فرحنا، وأسباب الحزن عندنا أكثر من أسباب الفرح؛ لذلك يغلب علينا الحزن والإفراط فيه، وقل منا من منح الاعتدال في عواطفه، وضبط نفسه عند تعرضه لأسباب الحزن أو لأسباب الفرح.

يتجلى ذلك في كل مظاهرنا؛ فخير الأكل عندنا ما كثرت فيه الأقاوية والبهارات والدسم، فإذا خلا من ذلك، أو قلت كمية توابله ودسمه عددناه أكلا تافها! والموسيقى لا ترضينا إلا إذا تناغمت مع عواطفنا الحادة؛ فكانت إما حزبية باكية أو مرحة صاخبة، والممثل لا يرضينا إلا إذا بالغ في الانفعال، وصخب في الأقوال، وأكثر من الحركات، وهكذا، ولما كانت أسباب الحزن كثيرة ونحن نبالغ فيها ونطيل زمنها، كانت أكثر أوقاتنا حزنا.

إن أسباب الحزن تقع للشرقيين والغربيين، ولكن الغربي معتدل في عواطفه، يؤمن بأن العزم وقوة الإرادة تستطيع أن تتغلب على الحزن والألم، فينجح في ذلك - أعرف كثيرا من الحوادث يظهر فيها الغربي بمظهر الجلد الصبور الشجاع المحارب للأحزان لا المستسلم لها.

كان عندنا في كلية الآداب أستاذ ألماني مستشرق شهير اسمه الأستاذ برجستراسر قضى عام دراسته في مصر، ثم ذهب لقضاء إجازته في ألمانيا، فحدثني صديق له أنه خرج يوما للنزهة يتسلق جبلا عاليا، حتى إذا بلغ القمة زلت قدمه، فظل يهوي حتى وصل إلى القاع ميتا، فأخذ إلى المستشفى وأخبرت زوجته بالحادث، وكان أبوها يزورها هذه الليلة قادما من الريف، فأبت أن تزعجه، وصممت أن يبيت عندها ليلة سعيدة هانئة، فكتمت عنه الخبر، وكانت تدخل الحجرة وحدها فتدمع على زوجها، ثم تخرج إلى أبيها تحدثه كأن لم يكن شيء، حتى أصبح الصباح فأخبرت أباها بالخبر في هدوء، وذهبت إلى المستشفى تقوم بواجب الوفاء لزوجها!

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٣٨