تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكثير من متاعب الحياة الشخصية سببه مرضه الجسمي، أو العقلي، وعلى الخصوص هذا المرض العقلي أو النفسي.

وكثير من متاعب الحياة ترجع إلى مزاج الشخص، والمزاج هو أساس ما يصدر عن الإنسان من سلوك، وقد كان الأقدمون يقسمون الأمزجة إلى أربعة: دموي، وبلغمي أو لميفاوي، وصفراوي، وسوداوي، وقد خصصوا لكل مزاج من هذه الأمزجة صفات خاصة؛ فالدمويون يمتازون بحب الحركة، والمرح، والخفة، وسعة الأمل، والطيش، وقلة الصبر؛ والبلغميون يميزهم بطء الحركة والخمول، وقلة الجلد والوداعة، والميل إلى السكون؛ والصفراويون يميزهم الطموح والعناد؛ وحب العمل والشجاعة؛ والسوداويون يميزهم الانقباض، والحزن، والتشاؤم، والتأمل، والتواضع.

وقد قسموهم إلى هذه الأقسام بناء على أن في الجسم سوائل مخلوطة، إذا غلب سائل منها نسب المزاج إليه، والعلم الحديث لا ينكر أقسام الناس إلى هذه الأمزجة، ولكن يعللها بأسباب أخرى، ويرى أحد علماء النفس أن الناس كلهم يمرون في حياتهم بجميع الأمزجة؛ فهم يبدأون دمويين في الطفولة، ثم سوداويين في الشباب، ثم صفراويين في الكهولة، ثم بلغميين في النهاية.

وأيا ما كان، فمزاج الإنسان أو كيفية سلوكه في الحياة قد تكون مصدر سعادة له، وقد تكون هي مصدر المتاعب، والمسئول عنها هو الشخص نفسه.

استعرض كثيرا من الأسر ، وابحث سبب متاعبها، تجد أن أسرة - مثلا - سبب متاعبها ما أصيب به الزوج أو الزوجة، أو هما معا، من حدة المزاج وسرعة الغضب، فهي أو هو يغضب لأتفه الأسباب، يغضب من طبق كسر، أو قرش ضاع، أو طفل عمل عملا لا يرضاه، أو كلمة نابية صدرت من أحد أفراد الأسرة فيغضب، فإذا غضب خرج عن وعيه وأتى بأعمال جنونية أو شبه جنونية، وكثيرا ما تسبب هذه الأعمال متاعب متسلسلة يصعب حلها، وهكذا تصبح الأسرة بين أعمال شاذة ومعالجة لنتائجها السيئة، ولا سبب لهذا كله إلا مزاج شاذ.

فالمرض في أصله مرض نفسي تسببت عنه أعمال مادية شاذة أيضا، وهذه زوجة أصيبت بالإسراف فهي تستولي على مرتب الزوج في أول الشهر، وتنفقه في كماليات من فستان فخم، أو أدوات زينة، ونحو ذلك، وتظل الأسرة بعد هذا التصرف في عذاب ونزاع وعتاب ولو بقية الشهر، وهذا التبذير إذا دققت النظر فيه وجدته يرجع إلى مرض نفسي، أو إلى مزاج خاص؛ سببه إما غلبة حب الظهور عند الزوجة، أو حب التعالي على مثيلاتها، أو الاعتداد بالجمال، والاعتداد بالنفس، ويضاف إلى ذلك عدم الاكتراث بالنتائج، وعدم النظر في العواقب؛ فهي تنفعل انفعالا وقتيا، وتتصرف حسب هذه الدوافع الوقتية من غير النظر إلى النتائج.

وهذا رجل يعذب الأسرة بسقوطه في (كيف) من الكيوف وإدمانه عليه، فهو ينفق على (كيفه) أكثر ماله، ويسطو على ما لزوجته وأولاده من حقوق في هذا المال، كما أنه يفقد بهذا (الكيف) الاستمتاع الصحيح بحياة الأسرة، وأداء واجبها، وما عليه من التزامات نحو زوجته وأولاده، وهذا أيضا مرض نفسي، يرجع إما إلى وراثة ورثها عن أبيه، أو إلى تقليد لأصحاب صحبهم، أو انهيار أعصاب، حسن له بعدها أصدقاء السوء أن ينتشل أعصابه المحطمة (بكيف) من الكيوف فزادتها تحطما.

وهذه فتاة نغصت على الأسرة حياتها بمزاجها، فهي تريد أن تتزوج من لا يرضاه أهلها، أو هي متسامية جدا لا يعجبها كل من تقدم إليها، ورسمت لنفسها حياة خيالية لا يحققها الواقع، أو هي تأثرت بمناظر السينما، فأرادت نوعا من الحياة غريبا عن حياتنا الشرقية، وتقاليدنا الاجتماعية، فهي في نزاع دائم مع أسرتها؛ لا تريد ما يريدون ولا يريدون ما تريد، وهذا أيضا يرجع إلى مزاج الفتاة وسرعة تأثيره بالمحيط من غير نظر في النتائج، ومن غير تفكير عميق فيما يقلد وما لا يقلد.

وهكذا وهكذا من آلاف الأمثلة التي تدل على أن كثيرا من متاعب الحياة سببه مرض نفسي أو مزاج شاذ، فيسبب لنفسه ولمن حوله من أسرته، ومن يتصل به متاعب لا تنتهي، وقد يكفي تصرف واحد من هذه التصرفات الشاذة في متاعب سنين تستوجب من الألم المتعاقب المتسلسل ما لا يعد وما لا يحصى.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٢٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٢٣٥