ولا يمكن التغلب على المتاعب من هذا القبيل إلا إذا عرف السبب، ثم عولج علاجا صحيحا عميقا لا علاجا سطحيا ظاهرا، وهذه هي نقطة الصعوبة في الموضوع، فكثير من الأمراض النفسية لا يمكن علاجه إلا إذا عرف أصله، وعرف تاريخه.
وفي كثير من الأحوال يرجع المرض النفسي إلى حالة الشخص في طفولته، أو حادث قديم حدث له في شخصه، أو حدث في أسرته، وعلى ذلك أمثلة كثيرة؛ فالأبوان اللذان لم يرزقا إلا طفلا واحدا، وهما على حالة جيدة من الثراء، يعتادان أن يجيبا الطفل من صغره إلى كل مطالبه، فلا يذوق ألم الحرمان، ولا يتعود شيئا من التضحية؛ وليس له أخ ولا أخت يعلمانه في البيت درس الأخذ والعطاء، والأثرة والإيثار، فينمو عنده الاعتداد بشخصه، وعدم النظر إلى شيء إلا إلى نفسه، فمال الأبوين له ولملذاته، وصحتهما ومتاعبهما لراحته، وينمو وهو مدلل، يغضب أشد الغضب إذا لم تحقق رغبته؛ هكذا هو في بيته وخارج بيته.
مثل هذا الشاب يكون مصدرا لمتاعب لا تنتهي؛ متاعب في مدرسته عند تعلمه، ومتاعب في وظيفته إذا وظف، ومتاعب في زواجه إذا تزوج، فإذا أردنا أن نعرف السبب في متاعبه لا يمكن أن يتضح إلا بالرجوع إلى حالته في الطفولة - كما رأينا، وإذا أردنا العلاج فلا يصح علاج إلا بعد معرفة سبب المرض، وهكذا لا يمكننا أن نعرف سبب المتاعب التي تصدر من بخل البخيل، وإسراف المسرف، وغضب الغضوب، وخوف الجبان، والوقوع في مصايب (الكيوف)، ونحو ذلك، إلا بالرجوع إلى أساسها الأول: كيف نشأ الطفل في بيته، وما هي الظروف التي أحاطت به، وما أصل هذه العادات السيئة، وكيف نمت، وإلام وصلت، وفي ضوء هذا كله يمكن معرفة العلاج إذا حسنت النية، وصدقت الإرادة، أما غير ذلك فإنما يكون علاجا كما يعالج الصداع بحبة من الأسبرين من غير أن يعرف السبب الحقيقي للصداع؛ فقد يكون المعدة، وقد يكون الأمعاء، وقد يكون الأسنان، وهذا ما جعل قول سقراط باقيا على الدهر وهو: «اعرف نفسك».
فمن أراد أن يعالج نفسه علاجا حقيقيا ليخفف عنه وعمن حوله ما يصدر عنه من متاعب، فليعرف نفسه أولا، في أي نقطة هو ضعيف، وبأي مرض هو مريض، ثم يبدأ بالعلاج، وليس هذا بالأمر الهين، فمعرفة الناس لا بد لها من كشف ستائر تحيط بها، والدخول منها إلى قاعة مظلمة لا بد من تسليط الضوء عليها، وكثيرا ما يعوقه غرور الإنسان واعتقاده الكمال في نفسه، أو يعوقه جبنه وعدم جرأته على كشف هذه الستائر عن الوصول إلى حقيقة المعرفة.
ولكن على كل حال، هذا هو العلاج الوحيد للتغلب على متاعب الحياة التي مصدرها مزاج الشخص، أو حالته النفسية المريضة.
الفصل الرابع والثلاثون
| الابتهاج بالحياة (1)
لقد أكثرت في أحاديثي الماضية عن متاعب الحياة، فلأحدثكم اليوم عن الابتهاج بالحياة.
والحق أنا لو قارنا بين الغربيين والشرقيين وجدنا أن الشرقيين تغلب عليهم طبيعة الحزن والاكتئاب، وهذا ما يلاحظه الغربيون على الطلبة الشرقيين الذين يتعلمون عندهم، وهذا أيضا ما نلاحظه نحن على أنفسنا، فنحن إذا حدث ما يستوجب الحزن أفرطنا فيه؛ كما يحدث في الوفيات، نبالغ في البكاء على الميت، وننغص حياتنا لفقده مدة طويلة، ونقيم التقاليد الكثيرة من مآتم وخمسان وأربعين وحفلات تأبين ونحو ذلك، على حين أن الغربي يحزن ولكن في رفق وهوادة، ويرى أن الموت يكاد يكون أمرا طبيعيا كالحياة.
وكذلك نبالغ في الحزن في النكبات؛ كالحزن عند الأمراض، والحزن عند خسارة مالية ونحو ذلك، وكثير منا إذا لم يجد سببا من أسباب الحزن خلقه، فهو وأهله في صحة، وعندهم من المال ما يكفيهم، ودنياهم سائرة على ما يرام، ولكنهم مع ذلك يخلقون أسباب الحزن خلقا؛ فيحملون هم المستقبل، وماذا سيكون فيه، أو يتنازعون على شيء تافه فيحزنون من أجله، وعلى كل حال فطبيعتنا يغلب عليها الحزن، ومن فرح بالحياة وابتهج بها فابتهاج قليل يعقبه حزن طويل، أو إفراط في مباهج الحياة يسبب تنغيصا وحزنا وألما يعقبه أضعاف ما ناله من فرح وابتهاج.