أما المتاعب اليومية الكثيرة الوقوع فيمكن التغلب عليها بتسليح النفس وتقويتها، وأهم سلاح للنفس تستطيع به التغلب على المتاعب قدرتها على تعديل نفسها على وفق الصعاب التي تعترضها؛ فإذا كانت متاعب الحياة من قلة دخل البيت أمكن بالحكمة في الإنفاق التغلب على الصعاب، وإذا كان التعب من غضب الزوجة أو الزوج، فالعلاج أن يتعود الحلم ويقابل الإساءة بالإحسان، وكلما استطاع الإنسان أن يعدل نفسه وفق الظروف التي حوله كان أسعد حالا وأقل متاعب.
يروى أن ستة أشخاص قضت عليهم الظروف السيئة أن يحبسوا في حجرة ضيقة مغلقة ستة أشهر، ومعهم طعام قليل، وماء قليل، فأما اثنان منهم فتبرما أشد التبرم من هذه الحياة، ولم يريا بصيصا من الأمل يسري عنهما، فأصيبا بالجنون، وأما ثلاثة آخرون منهم، فنظروا إلى هذه الحياة بمنظار أقل سوادا من الأولين، فأصيبوا بنوبات عصبية متقطعة، وأما السادس، فأبعد عن ذهنه ما استطاع فكرة البؤس الذي هو فيه، والتفكير في ما سيحدث، وشغل نفسه بتأليف كتاب يستمده من أفكاره وآرائه ومعلوماته، فلما فتح عليهم الباب ليطلق سراحهم كانت حالتهم ما شرحنا، ولا فرق بينهم إلا من نجا منهم، عدل نفسه وفق ظروفه، وأما الخمسة الآخرون فلم يستطيعوا ذلك.
إن كثيرا من متاعبنا تنشأ من جبننا، واستسلامنا للمتاعب تطغى علينا وتخيفنا وتحاربنا فتهزمنا، أما من شجع قلبه وصمم على أن يتغلب على المتاعب مهما كثرت وكبرت، فإنه يغلبها ويظفر بها، وينجو من أضرارها.
إن موقف الإنسان أمام المتاعب كموقف الجنود في ميدان القتال؛ إن فروا هزموا وتغلب العدو عليهم، وإن صبروا واحتملوا وصمموا على أن يغلبوا العدو، فازوا وظفروا.
من أراد أن يعالج نفسه علاجا حقيقيا ليخفف عنه وعمن حوله ما يصدر عنه من متاعب، فليعرف نفسه أولا.
الفصل الثالث والثلاثون
| متاعب الحياة (2)
حدثتكم في الحديث الماضي عن متاعب الحياة، وأن كثيرا من هذه المتاعب وهمي، وبعضها حقيقي.
واليوم أذكر لكم أن هذه المتاعب بعضها يكون مصدرها الشخص نفسه، وبعضها يكون مصدرها النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والأخلاقي الذي يحيط به مما له به علاقة.
فأبدأ بذكر المتاعب التي مصدرها الإنسان نفسه؛ فقد نرى ثلاثة أشخاص أو أكثر في ظروف واحدة أو متشابهة؛ من حيث الدخل، ومن حيث الوظيفة، ومن حيث الأسرة ونحو ذلك، وأحدهم سعيد في حياتهم، فرح مسرور مغتبط، يحمد الله على ما هو فيه من خير، والثاني شقي منقبض الصدر، كثير الشكوى متململ مضطرب، والثالث وسط بين هذا وذاك، ليس بسعيد كالأول، ولا شقي كالثاني، يبكي ويضحك، ويحزن ويفرح، ولا فرق بينهم إلا حالتهم الشخصية.
ومن الحكايات الطريفة في ذلك أن دلوين كانا مربوطين بحبل ومعلقين في بكرة على بئر، ورجل واقف على البئر يستقبل الدلو الملآن، ويفرغه في حوض، ثم ينزله إلى البئر ثانية بواسطة البكر، وفي العادة أن الدلوين يتقابلان في منتصف البئر؛ أحدهما مملوء والآخر فارغ، فلما تقابلا سأل الدلو الفارغ الدلو المملوء: لماذا تبكي؟ فقال: وكيف لا أبكي، وقد ملئت ماء رائقا، وها أنا أصعد ليفرغني الرجل ثم ينزلني قاع البئر المظلم؛ وأنت لم ترقص؟ قال الدلو الفارغ: وكيف لا أرقص وأنا أنزل أمتلئ ماء رائقا ثم أصعد إلى الجو المضيء المشمس؟
وهكذا، يعمل الدلوان عملا واحدا، وأحدهما يبكي منه، والآخر يرقص له، وفي الناس كثير من أمثال هذين الدلوين؛ يعملون عملا واحدا وظروفهم واحدة، وبعضهم يبكي، ويضحك بعضهم. •••
كل إنسان مهما صح جسمه، ومهما صح عقله، فيه نقطة ضعف جسمي، ونقطة ضعف عقلي، وليس هناك إنسان سليم الجسم سليم العقل سلامة تامة، وكلنا نألم من هذا الضعف وهذا المرض إلى حد ما.
والجسم والعقل مرتبطان ارتباطا وثيقا، فالجسم يؤثر في النفس والعقل، والنفس أو العقل يؤثر في الجسم؛ فالإنسان قد يحس قوة في جسمه فيصح مزاجه ويصح تفكيره، وقد يمرض جسمه فيسوء مزاجه ويسوء تفكيره، بل قد يأكل أكلة ثقيلة فيثقل ذهنه، ويأكل أكلة لطيفة فتنبسط نفسه وينبسط تفكيره، وقد تخجل الفتاة فيحمر وجهها، وقد يغضب الرجل فتحمر عيناه، ويكاد ينقدح منها الشرر، وتتوتر أعصابه، وقد يخاف الإنسان فترتعش أطرافه، ويقف شعر رأسه، وآلاف الأمثلة من هذا القبيل، ترينا أثر الجسم في العقل، وأثر النفس في الجسم.